البناء الأخلاقي لا يتم بالعجلة

0 0

يشبه البناء الأخلاقي المتسرع الذي يرجو صاحبه تمامه في وقت قصير جدا غرس شجرة في أرض صلبة، لا تثمر لأننا استعجلناها بالسقي، ولا تستقيم لأننا شددنا أغصانها قبل أوانها؛ لأنها تحتاج جذورا تمتد في العمق، ووقتا تتآلف فيه مع التربة، وصبرا على مواسم لا يظهر فيها شيء.
كذلك الأخلاق؛ إن لم تبن على مهل، تكسرت عند أول ريح، وإن طلب ثمرها سريعا، جاءت هشة لا ظل فيها ولا دوام.
ولا تقاس الأخلاق بحدة الخطاب ولا بكثرة الوعود، ولا تختزل في قرارات سريعة تتخذ تحت ضغط الواقع. فكم من سلوك بدا منضبطا في ظاهره، لكنه لم يصمد طويلا لأنه لم ينبن على تربية راسخة.
إن البناء الأخلاقي، بخلاف ما يظنه المتعجلون، ليس رد فعل آنيا ولا ثمرة حماس عابر، بل هو مسار هادئ عميق، تشكل فيه النفوس كما تنحت الصخور: بصبر، وتدرج، وتكرار لا يمل.
وإن التجارب الإنسانية تدل بوضوح على أن البناء الأخلاقي عمل تراكمي هادئ، لا يعرف القفز ولا يستجيب للاستعجال.

الأخلاق مشروع عمر
لم يأت الإسلام بالأخلاق كإضافات تجميلية للسلوك، بل جعلها جوهر الرسالة ومقصدها الأعظم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". [رواه أحمد وصححه الألباني]. والتمام هنا يدل على مسار طويل، يبدأ ولا ينتهي، ويبنى فيه الخلق لبنة لبنة، كما تبنى النفوس وتربى القلوب.
ولهذا لم تتنزل الأحكام دفعة واحدة، ولم يطالب الجيل الأول بالكمال الأخلاقي الفوري؛ بل سارت التربية النبوية على مهل، تقدم الإيمان، ثم تعززه بالسلوك، ثم ترسخه بالقدوة والمتابعة. قالت عائشة رضي الله عنها: "إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام". [رواه البخاري].

الاستعجال آفة التربية
الاستعجال في تزكية النفس والتحلي بمكارم الأخلاق ينتج غالبا سلوكا متكلفا لا يصمد أمام الاختبار. قد يلتزم الإنسان ظاهرا، لكن قلبه لم يهذب بعد، فينقلب الالتزام إلى توتر، أو قسوة، أو شعور بالاستعلاء. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطورة التنطع فقال: "هلك المتنطعون". [رواه مسلم]، والمتنطع هو المتعمق المتشدد الذي يطلب الكمال دفعة واحدة.
كما أن التغيير القسري السريع، خاصة في تربية الأبناء أو في العمل الدعوي، قد يولد النفور بدل الإصلاح، ويكسر الثقة بدل بنائها. فالأخلاق لا تفرض فرضا، بل تغرس غرسا، ولا يكفي أن تلقن تلقينا، بل تعاش وترى.

التدرج سنة ربانية
التدرج في البناء الأخلاقي سنة من سنن الله في النفس والمجتمع. قال تعالى: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} [الإسراء: 106]، أي أنزلناه شيئا بعد شيء لا جملة واحدة، قال القرطبي رحمه الله: (ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا). وإذا كان الوحي، وهو كلام الله، نزل مفرقا لحكم متعددة، منها الحكم التربوية، فكيف نطلب من النفوس أن تتغير بين ليلة وضحاها؟
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يراعي أحوال الناس، فيخفف وييسر، ويؤجل بعض ما يشق عليهم. وقال لمعاذ وأبي موسى رضي الله عنهما: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا". [رواه البخاري]. وهذه قاعدة أخلاقية وتربوية كبرى، تؤكد أن الرفق طريق البناء، وأن العجلة سبيل الهدم.

ثمرات البناء الهادئ
حين تبنى الأخلاق على مهل، تصبح جزءا من شخصية الإنسان لا قناعا مؤقتا. يصبح الصدق طبعا، والأمانة سلوكا تلقائيا، والحلم خلقا راسخا. وقد لخص النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم". [رواه الطبراني وحسنه الألباني]، فالصفات والأخلاق الطيبة تكتسب بالمداومة لا بالقفز.
كما إن البناء الهادئ يورث الثبات، ويقلل من الانتكاس، ويجعل الأخلاق صالحة للاستمرار في مختلف الظروف، لا مرتبطة بحالة حماس عابرة أو ضغط اجتماعي مؤقت.

إن الأمة التي تريد نهضة أخلاقية حقيقية، لا بد أن تصبر على طريق التزكية، وأن تؤمن بأن إصلاح القلوب أعمق من إصلاح المظاهر، وأعظم منه أثرا، وأبقى نتائج.
إن الأخلاق التي تبنى بالعجلة، تهدمها أول عاصفة، أما الأخلاق التي تبنى بالصبر، فتصمد وتصلح وتثمر.
ذلك أن البناء الأخلاقي، كما علمنا الإسلام، ليس سباق سرعة، بل مسيرة وعي وتربية وصبر، تبدأ من الداخل… وتمتد إلى الحياة كلها.

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة