- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:خواطـر دعوية
أعظم حقيقة أشرقت عليها الشمس، وأسمى غاية وجدت لأجلها الحياة، هي توحيد الله جل في علاه.. كما أن أصدق كلمة في هذا الوجود هي كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله".. هي القبلة التي تتجه إليها أرواح العارفين، والملجأ الذي تأوي إليه قلوب الموحدين.
"فالتوحيد هو سر العبودية، وهو الذي يفتح للعبد باب الخيرات، ويدفع عنه الشرور والآفات". كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.
مكانة التوحيد ومقامه
والتوحيد هو قطب رحى الإسلام، والغاية التي من أجلها خلق الثقلان، وعمود الفسطاط الذي لا غنى عنه لقيام البنيان، وسبيل النجاة الذي لا ينجو بدون تحقيقه إنس ولا جان، كما قال ربنا الرحمن {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات:56] قال أهل التفسير: ليوحدوني.
ولقد تبوأ التوحيد الصدارة في دعوة جميع المرسلين، فقد بعث الله الرسل تلهج ألسنتهم بدعوة واحدة، وتصدح حناجرهم بنداء خالد: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}[هود:84]، فهو أعلى المقاصد، وأسنى المطالب، وأكبر الغايات، وأول الواجبات.
أول واجب على العبيد .. .. معرفة الرحمن بالتوحيد
ولذلك كان فاتحة دعوة جميع الرسل: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}[النحل:36]، {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}[الأنبياء:25].
أصل الأصول وباب الوصول:
إن التوحيد ليس مجرد لفظ تجري به الألسنة، بل هو عهد وثيق، وعمل قلبي، واعتقاد يقيني لابد من وجوده وتحقيقه، ليصح للإنسان إيمانه، وليقبل منه إسلامه، وليكون في عداد الفائزين.
فالتوحيد أصل الأصول، وأساس القبول: فلا تقبل طاعة، ولا يرفع عمل، ولا يزكو نسك إلا إذا روي بمغرس التوحيد، {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ۖ وما للظالمين من أنصار}[المائدة:72].
وهو حق الله الواجب على جميع الخلق، والذي استخلصه الله لنفسه من عباده، كما جاء في حديث معاذ رضي الله عنه قال: (كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا)[متفق عليه].
التوحيد مفتاح الجنة الذي لا يفتح بابها إلا به، كما جاء في حديث أبي ذر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، ...)[رواه البخاري].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما، إلا دخل الجنة) [رواه مسلم].
وفي حديث عثمان بن عفان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة) [رواه مسلم].
والتوحيد يحرم صاحبه على النار، فيمنعه دخولها ابتداء إذا شاء الله، ويحميه من الخلود فيها انتهاء.. ففي صحيح البخاري عن معاذ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار).
وفيه أيضا من حديث عتبان بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله عز وجل).
وبالتوحيد تعظم الأعمال، ويثقل الميزان: كما في وصية نوح لابنه: (يا بني! إني أوصيك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين، أوصيك بقول: لا إله إلا الله؛ فإنها لو وضعت في كفة، ووضعت السموات والأرض في كفة، لرجحت بهن)[رواه أحمد وصححه الألباني].
وفي حديث صاحب البطاقة (فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء)[رواه الترمذي وصححه الألباني].
والتوحيد أكبر أسباب المغفرة، وأرجى مكفرات الخطايا والذنوب.. ففي الحديث القدسي: (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة)[رواه أحمد والترمذي وحسنه).
آثار التوحيد على النفس والمجتمع
وللتوحيد ثمرات وآثار جليلة على أهله الموحدين:
ـ الأمن التام والهداية في الدنيا والآخرة: كما قال سبحانه: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}[الأنعام:82]. والظلم هنا هو الشرك كما فسره به النبي صلى الله عليه وسلم.
ـ عزة النفس: فحين يستقر التوحيد في القلب، تنبت فيه أزاهير العزة، فالموحد لا يحني جبهته لصنم، ولا يرهن قلبه لبشر، ولا يذل نفسه لدينار أو درهم، إنما هو عبد لرب واحد، هو وحده من يملك ضره ونفعه، وحياته وموته، وهو وحده العزيز مالك العز، ومانح العزة {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ۖ بيدك الخير ۖ إنك على كل شيء قدير}[آل عمران:26]، {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا}[فاطر:10]، {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون}[المنافقون:8].
ـ السكينة الطمأنينة: بتفويض الأمر لله وحده والرضا بقضائه، فهو يعلم (أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء، لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء، لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه)، وهو يعلم أن الله أرحم به من الوالدة بولدها، وأن قضاء الله له كله خير، فهو يشكر في السراء ويصبر في الضراء، فيؤجر في الحالين، ويكون أمره كله خيرا له، وليس هذا إلا للمؤمن.
التحرر الحقيقي: فالتوحيد يحرر الإنسان من رق المخلوقين والتذلل لهم، ويحرر صاحبه من تشتت الأغراض وتعدد الأرباب، فيجعل همه هما واحدا، ووجهته وجهة واحدة {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ۚ الحمد لله ۚ بل أكثرهم لا يعلمون}[الزمر:29].
ـ وحدة المجتمع وتآلف أبنائه: فعقيدة التوحيد هي الأساس المتين لاجتماع الأمة الإسلامية، حيث توحد القلوب والصفوف على عبادة الله وحده، ملغية الفوارق العنصرية والعصبيات القبلية والدعوات الجاهلية، بل تصهر الأمة في بوتقة الإيمان حتى تصير كالجسد الواحد، مما يحقق التضامن، والمحبة والائتلاف، وينبذ الفرقة والاختلاف، وتكون الأمة يدا واحدة على من يعاديها ويريد بها الشر والضياع.
الخاتمة:
إن التوحيد هو أعظم وأغلى ما يسعى العبد لتحقيقه ويعمل لتصفيته وتدقيقه، بأن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن يكون الله أحب إليه من كل ما سواه.
فليكن التوحيد لنا منهج حياة، ونبراس عمل، حتى نلقى الله بقلوب سليمة، بيضاء لا شية فيها، فنسعد سعادة الحياتين، ونفوز فوز الدارين..

المقالات

