أركان الإيمان

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله نحمده حمد الشاكرين، ونستعينه استعانة الضعفاء المساكين، ونستغفره استغفار المذنبين، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة يوم يقوم الناس لرب العالمين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أوصيكم عباد الله ونفسي المقصرة بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله خير زاد، وأوثق عدة، وأعظم ما يتقرب به إلى رب الأرض والسماوات {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]. {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} [النساء: 1]. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} [الأحزاب: 70].
أما بعد:
عباد الله: إن أعظم ما تبنى به القلوب، وتستقيم به الجوارح، وتصلح به الأحوال، هو تحقيق الإيمان الصحيح الذي أمر الله به، وجعله أصل النجاة، وأساس القبول، وميزان التفاضل بين العباد. والإيمان اعتقاد وقول وعمل، اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، فليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال الصالحة، فمن آمن وعمل صالحا في سره وعلانيته فهو المهتدي الصادق، ومن أظهر الإيمان وأبطن الكفر والمعاصي فهو المنافق، ولا يدخل الجنة إلا من كان مؤمنا قال الله تعالى: {فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [الأنعام: 48]، وقال سبحانه: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا} [الطلاق: 11]، وقال تبارك وتعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} [المائدة: 5].
أيها المؤمنون: يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} [النساء: 136]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) رواه البخاري ومسلم. هذه أركان الإيمان الستة التي لا يقوم إيمان عبد إلا بها، ولا تستقيم حياة قلب ولا صلاح عمل إلا بتحقيقها علما ويقينا وسلوكا. فأولها: الإيمان بالله تعالى، أعظم أركان الإيمان وأساسها: الإيمان بالله عز وجل، وهو أصل كل خير، ومنه تنبثق سائر الأركان، والإيمان بالله تعالى يكون بالإيمان: بربوبيته: أنه الخالق، الرازق، المدبر، المتصرف في الكون كله. وبألوهيته: أنه وحده المستحق للعبادة، فلا يدعى غيره، ولا يرجى سواه. وبأسمائه وصفاته: نؤمن بها كما جاءت، بلا تحريف ولا تعطيل، ولا تشبيه ولا تمثيل. قال الله تعالى: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} [الحج: 62]. وقال الله سبحانه: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. وقال تعالى: {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 1–4]. ومن آمن بالله حق الإيمان عظم أوامره، وراقبه في السر والعلن، واطمأن قلبه عند الشدائد، ولم يخف إلا منه، ولم يرج إلا إياه.
عباد الله: ومن أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة، والملائكة: عباد الله المكرمون، خلقهم الله من نور، وجعلهم جنودا لتنفيذ أوامره في الكون. قال تعالى فيهم: {عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} [الأنبياء: 26–27]. فمنهم من وكله الله بالوحي، ومنهم من وكله بالأرزاق، ومنهم من وكله بقبض الأرواح، ومنهم من وكله بحفظ الأعمال، وغيرها من الأعمال. يقول الله تعالى: {لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون} [الأنبياء: 19، 20]، ويقول تعالى: {وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون} [الانفطار: 10–12]. فمن آمن بالملائكة حق الإيمان استحيا أن يكتب عليه ذنب، فحفظ لسانه، وراقب أفعاله، لأنه يعلم أن كل حركة وسكنة محسوبة.
أيها المسلمون: ومن أركان الإيمان: الإيمان بالكتب التي أنزلها الله تعالى لهداية الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور. يقول تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد: 25]. فأنزل الله تعالى الصحف على إبراهيم، والتوراة أنزلها على موسى، والزبور أنزله على داود، والإنجيل أنزله على عيسى، وأنزل الله القرآن خاتما لتلك الكتب، ناسخا لها، مهيمنا عليها، وتكفل بحفظه فقال سبحانه: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه} [المائدة: 48]، وقال جل وعلا: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9]. ومن الإيمان بالقرآن حق الإيمان ألا تجعل القرآن للزينة أو التلاوة المجردة، بل تجعله ميزان حياتك، تحكم به على نفسك قبل غيره.
أيها المؤمنون: ومن أركان الإيمان: الإيمان بجميع الرسل الذين أرسلهم الله لهداية الخلق، نؤمن بهم جميعا ولا نفرق بين أحد منهم. يقول تعالى {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} [البقرة: 136، 137]، ومن آمن ببعض الرسل وكفر ببعض فقد كفر بالله تعالى ورسله، قال الله تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا * والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما} [النساء: 150 - 152]. والرسل هم صفوة البشر، ودعاة التوحيد، بلغوا عن الله تعالى رسالاته، وصبروا على الأذى في سبيلها، وخاتمهم وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، قال تعالى له: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]. وأمره أن يقول: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158]. فمن آمن بالرسول حق الإيمان اتبعه، وقدم سنته على هواه، ولم يجعل الدين تابعا لعاداته ومصالحه.
أيها المسلمون: ومن أعظم أركان الإيمان وأشدها أثرا في القلوب: الإيمان باليوم الآخر، وأنه اليوم الذي يبعث الله فيه عباده أحياء للحساب والجزاء، فنؤمن إيمانا جازما بقدرة الله على بعث الخلق بعد أن صاروا ترابا وعظاما نخرة، فإن الذي بدأ الخلق أول مرة قادر على إعادتهم، وهو على كل شيء قدير، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين، حفاة عراة غرلا، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، وقد انقطعت الأسباب، ولم يبق إلا العمل. يقول تعالى {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء: 104]، ويقول تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل: 40]. ويقول تعالى: {والوزن يومئذ الحق} [الأعراف: 8]. يمر الناس على الصراط فيعطى المؤمنون نورهم فيجوزوا الصراط إلى الجنة، ويظلم المكان على المنافقين فلا يستطيعون المضي، يقول تعالى في ذلك: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم * يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب * ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور * فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير} [الحديد: 12 - 15]. فمن آمن باليوم الآخر قصر أمله، وحاسب نفسه، ورد المظالم، واستعد للقاء الله تعالى.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله الذي جعل الجنة دار المتقين، والنار مثوى الكافرين والمنافقين، وصلى الله على من بعثه رحمة للعالمين.
أما بعد:
عباد الله: ومن تمام الإيمان أن نؤمن بالقدر خيره وشره، وهو تقدير الله تعالى للمقادير كلها، بعلم سابق أحاط بكل شيء، وحكمة بالغة لا يخرج عنها شيء. يقول تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: 49]. ويقول تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} [الحديد: 22]، فالعبد يعمل ويجتهد، ويأخذ بالأسباب، ولا يحتج بالقدر على المعصية، لأن الله أعطاه عقلا واختيارا، إذ قال تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله} [التكوير: 27–28]. وإن الإيمان بالقدر يورث الطمأنينة، ويكسر الجزع، ويعلم الرضا، ويمنع اليأس.
عباد الله: هذه أركان الإيمان التي بها النجاة، وبدونها الخسران. يقول تعالى: {والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [العصر: 1–3].
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة