- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:تاريخ و حضارة
ولدت الأمم العظيمة من رحم الجد، وسادت حين عرفت قدر الزمن، وسقطت يوم استسلمت لعبث اللهو وضوضاء الصغائر.
وقد دارت الأيام، وتغيرت الأزمان، وصرنا نعيش في عصر تلاطمت فيه أمواج الابتذال، اختلط فيه السفسف بالقيمة، وارتبط التبذل والتنقص بالشهرة، وأطلت فيه "التفاهة" برأسها كأنها معيار الرفعة، وغدا الواقف على ثغر القيم كالقابض على الجمر، وكابن السبيل المنقطع الغريب في ديار لا يعرف فيها أحدا، وصار ضجيج الفارغين يملأ الآفاق، بينما يتوارى أولو النهى خلف جدران الصمت.
لقد صرنا بالفعل في زمان التفاهة ومجتمع التافهين حيث تظهر السطحية والرداءة وانحطاط قواعد الأداء، وتنتشر السفاهة والتفاهة في كل شيء..
وفي خضم هذا الضجيج، يجد الشاب المسلم نفسه بين نداءين: نداء يجره إلى السفاسف جرا، ونداء يرفعه إلى معارج المعنى والرسالة.. والمؤمن الموفق يدرك أن الزبد يذهب جفاء، وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض. ويعلم أنه لا نجاة إلا لمن آثر العلو على السطحية، والبناء على التهريج، وكان من الذين قال الله فيهم: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)[الفرقان:63].
الشباب والتسامي عن التوافه
إن أكثر ما يستهلك من أعمار الشباب اليوم "وهم ذخر الأمة وعماد نهضتها، وهم حاضرها ومستقبلها"، إنما يضيع في تتبع التافهين، واللهاث وراء حلم "الشهرة الزائفة" التي غدت صنما يعبد، وملاحقة "الترندات" التي لا تحمل عقلا ولا تصنع إنسانا، وإنما مجرد أرقام في خوارزميات العبث، أو صدى لأصوات خاوية لا تملك من الحقيقة إلا ضجيجها.
دقائق تتحول إلى ساعات، وساعات تسلب من خزائن العمر بلا مقابل. وقد صدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)رواه البخاري.
فالمغبون ليس من يضيع ماله فحسب، بل من يبدد رأس ماله الحقيقي: الوقت والطاقـة.
إن التهام الساعات أمام الشاشات، والجري خلف "سفاسف الأمور" وتافه المحتوى، هو انتحار بطيء لملكات العقل وروح الإبداع. إن هذا الغثاء الرقمي يسرق منك أثمن ما تملك: "عمرك" الذي هو رأس مالك.
تذكروا ـ يا شباب ـ أن كل "تمريرة" (Scroll) بلا هدف، هي خصم من رصيد بنائكم النفسي، وضريبة تدفع من حساب مستقبلك الذي ينتظرك. وكما قال الشاعر:
إذا مر بي يوم ولم أقتبس هدى .. ولم أستفد علما فما ذاك من عمري
الميديا من الجسر إلى الهاوية
لم تخلق الوسائل الحديثة شرا محضا، لكنها امتحان دقيق، فإما أن تكون جسرا للبناء والتأثير، أو هاوية تبتلع الهمم. وقد قرر القرآن ضابطا دقيقا في التعامل مع اللغو والانشغال الفارغ، فقال تعالى: (والذين هم عن اللغو معرضون) [المؤمنون:3]
فاللغو ليس كلمة، بل منهج حياة؛ يتمثل في كل ما لا يقربك من الله، ولا يبني فيك عقلا، ولا يضيف إلى رسالتك معنى. وإن الانغماس في التفاهة الرقمية، والتلهف على شهرة جوفاء، هو لون من ألوان التعلق بالزائل، وقد قال الحكماء: "النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل."
الاعتزاز بالهوية… ترفع لا انغلاق
ليس الاعتزاز بالهوية انطواء ولا عبوسا، بل هو وعي بالمقام، وإدراك للرسالة. فالشاب المسلم لا يقاس حضوره بعدد المتابعين، بل بعمق الأثر، ولا يعرف قيمته بمرآة المنصات، بل بميزان السماء. قال تعالى: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) [المنافقون:8].
ومن هنا كان الترفع عن التفاهات، والتوقف عن اللهاث وراء الترندات ضربا من الزهد، والزهد ليس تحريم المباح، بل خلو القلب مما لا ينفع. وقد كان السلف يفرون من الشهرة كما يفر أحدنا من النار، لأنهم علموا أن الضوء الساطع يفتك بالبصيرة إذا لم يكن منضبطا بالحق.
الاجتهاد عبادة، والبناء فريضة
الجد في زمن اللعب عبادة صامتة، لا تصفق لها الجماهير، لكنها تكتب في صحائف الخلود. والعمل المتقن، والتعلم الجاد، وبناء النفس، كلها من عمارة الأرض التي أمر الله بها، إذ قال سبحانه: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)[هود:61].
وقد وسع الإسلام مفهوم العبادة ليشمل كل جهد يبتغى به وجه الله، فطالب العلم في محرابه، والحرفي في ورشته، والمفكر في خلوته، والأستاذ في مدرسته وجامعته، كلهم عباد إذا صدقت النيات. فـ "إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى).
خاتمة:
العاقل من يعلم: أن العمر أقصر من أن يهدر، وأشرف من أن يبذل بغير مقابل، فلا يجعل يومه ساحة للفراغ، ولا عقله مرتعا للتوافه، ولا قلبه مرآة لكل صاخب، وأن الأصل في الرفعة الجد لا الهزل، فإن الأمة لا تبنى بالراقصين على حواف الفراغ، بل بالساعين في مجالات البناء.
وقد صدق من قال: "من عرف ما خلق له، هان عليه ما سواه، ومن عرف ما يطلب خف عليه ما يبذل"، فاختر لنفسك إما جدا يورثك الخلود، أو لعبا يسلبك الوجود.. وذاك والله فصل الخطاب.

المقالات

