سُنن النصر والانْكِسار مِن غزوة أُحُد

0 1

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..
أما بعد، أيها المسلمون:

أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله}(النساء:131)، فاتقوا الله حق تقاته، واعلموا أن من أعظم ما يحيي القلوب، ويوقظ العقول، ويثبت الأقدام في زمن الفتن، الوقوف مع دروس السيرة النبوية، لا على أنها حكايات وقصص تروى، بل على أنها منهاج حياة، وسنن لا تتبدل، ورسائل وحكم وأحكام ودروس وعبر..
وفي خطبتنا اليوم نقف مع غزوة من أعظم غزوات الإسلام، وأشدها تربية، وأكثرها كشفا لسنن النصر والهزيمة والانكسار، إنها غزوة أحد، تلكم الغزوة التي نزل القرآن الكريم يعالج أحداثها، ويصحح المفاهيم، ويهذب النفوس، ويربي أمة إلى قيام الساعة..
وقد قعت أحداث هذه الغزوة في الخامس عشر من شوال من السنة الثالثة من الهجرة النبوية، وأنزل الله تعالى على إثرها آيات تتلى إلى يوم الدين، تتحدث عن أحداثها ونتائجها ودروسها، وكان فيها تربية للأمة في كل زمان ومكان، ونزلت فيها ثمان وخمسون آية من سورة آل عمران..

بدأت أحداثها حين أراد المشركون الانتقام لهزيمتهم في معركة بدر، فحشدوا جيشا من ثلاثة آلاف مقاتل على أطراف المدينة المنورة، واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، وكان يريد التحصن في المدينة، لكن كثيرين ألحوا على الخروج، فخرج صلى الله عليه وسلم في سبعمائة من أصحابه ونزل بهم عند جبل أحد الذي يقع شمال المسجد النبوي الشريف، ويبعد عنه قرابة أربعة كيلومترات فقط..
وفي ساحة المعركة وقبل بداية القتال انتقى النبي صلى الله عليه وسلم خمسين من الرماة تحت إمرة عبد الله بن جبير رضي الله عنه، ووضعهم فوق جبل عينين المقابل لجبل أحد، وذلك ليمنع التفاف جيش المشركين من الخلف حول جيش المسلمين، وأصدر أوامره إليهم قائلا: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا، حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم) رواه البخاري، وكان ذلك من تمام حكمته صلى الله عليه وسلم في إدارة المعركة، فقد أراد أن يحمي ظهر الجيش من التفاف العدو، وأن يجعل للرماة دورا مهما مستقلا لا يتأثر بما يجري في ساحة القتال..

وبدأت المعركة، ومالت الكفة في أول القتال للمسلمين، وفر المشركون، وظهرت بشائر النصر، حتى ظن بعض الرماة أن المعركة انتهت، فنزلوا يطلبون الغنيمة، فكانت لحظة المخالفة، وكانت نقطة التحول في المعركة والقتال، إذ في تلك اللحظة، التف المشركون على المسلمين من الخلف، وانقلب ميزان المعركة، وجرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشيع في ساحة المعركة أن المشركين قتلوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأوقع ذلك في قلوب المؤمنين حزنا عميقا، وألما شديدا، فنادى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بما فيهم من جرحى ومصابين، فاستجابوا للنداء على ما بهم من الجراحات، ونفروا لقتال المشركين، ولم يأبهوا للمخذلين، وقد أسفرت المعركة عن استشهاد سبعين من الصحابة، وانصرف المشركون بعدها مكتفين بالذي حققوه، ولحق بالمسلمين ما لحقهم من جراحات وانكسار، حتى قال بعض المسلمين: "أنى هذا"، فأتاهم الجواب من الله عز وجل قرآنا يتلى إلى يوم القيامة: {قل هو من عند أنفسكم}(آل عمران:165).
وفي هذه الغزوة العظيمة ـ غزوة أحد ـ، تعلم الصحابة رضوان الله عليهم، وتعلمت الأمة من بعدهم عبر السنين والقرون، سننا ربانية لا تتبدل، وقوانين إلهية لا تحابي أحدا، سننا تحكم النصر والهزيمة، والعز والانكسار.. فلم تكن غزوة أحد حادثة عابرة في سجل السيرة والتاريخ، بل كانت مدرسة عظيمة تربى فيها المؤمنون وفقهوا من خلالها أسباب النصر والهزيمة..

عباد الله: إن من أعظم ما رسخته هذه الغزوة في القلوب، أن النصر أولا وآخرا من عند الله وحده، لا يستجلب بقوة، ولا يشترى بعدد، ولا يصنع بالعدة والعتاد وحدهما، وإنما هو فضل من الله يمنحه من يشاء، ويمنعه عمن يشاء، كما يمنح الرزق ويقبضه، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، قال تعالى: {وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم}(آل عمران:126)..
فمن نصره الله فلا غالب له من الناس، ولن يضره خذلان الخاذلين، فإن شاء سبحانه نصر من أخذ بالأسباب على سننه المعتادة، وإن شاء نصر الضعيف القليل ليعلم العباد جميعا أن الأمر كله بيده، فالأمر كله له والمرجع إليه سبحانه، وأن الخلق مهما بلغوا من قوة فهم تحت قهره، وتحت حكمه وحكمته التي تضع الأمور في مواضعها، ومن هنا، فمن نصره الله فلا غالب له، ولو اجتمع عليه أهل الأرض، ومن خذله الله فلا ناصر له، ولو ملك أسباب القوة كلها، قال تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده}(آل عمران:160)، ولهذا كان التوكل الصادق، وتعليق القلب بالله، أساس كل نصر، وسر كل تمكين..

ومع ذلك، فإن الأخذ بالأسباب من عدد وعدة، وإعداد وقوة، مطلب شرعي هام أمر الله به، فقال سبحانه: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}(الأنفال:60)، فالعدد والعدة والأخذ بالأسباب مؤثر في نتيجة المعارك بمشيئة الله، إلا أنه من الخطأ الكبير، والزلل العظيم، ـ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ أن يظن أن هذه الأسباب تعمل بذاتها، أو أنها تأتي بالنصر من تلقاء نفسها، فتعظيم الأسباب حتى تجعل مستقلة عن مشيئة الله خلل في الإيمان والعقيدة، وإلغاء الأسباب بالكلية بحجة التوكل خلل في الفهم، والصواب أن يؤخذ بالأسباب طاعة لله، ويعلق القلب بالله وحده، فيرد الفضل إليه، ويعزى النصر إليه، ولهذا قال الله تعالى ليصحح الميزان في القلوب: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}(الأنفال:17)، فالفعل فعل العباد، ولكن الأثر والنتيجة من عند رب العباد..

فإذا رأينا ـ عباد الله ـ في بعض الأزمنة أو الأمكنة أن الكافرين قد غلبوا المؤمنين، أو أن أهل الباطل انتصروا ظاهرا على أهل الحق، فليس ذلك دليل محبة الله لهم، ولا علامة رضا عن باطلهم، وإنما هو بسبب تخلف شروط النصر في صف المؤمنين، أو وقوعهم فيما يناقضه، فيؤدبهم الله بذلك ليراجعوا أنفسهم، ويعودوا إلى ربهم، ويصحو من غفلتهم، ويكون ذلك في الوقت نفسه ابتلاء وتمحيصا للمؤمنين، وإمهالا واستدراجا للكافرين، حتى إذا أخذهم الله لم يفلتهم، ولهذا جاء التعقيب الإلهي على أحداث أحد واضحا جليا، حين قال سبحانه: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير}(آل عمران:165). أي: حين أصابتكم مصيبة القتل والجراح في أحد، وقد أصبتم قبلها عدوكم بمثلها في بدر، تعجبتم وسألتم: من أين جاءنا هذا؟ فجاءكم الجواب الصريح: هو من عند أنفسكم، من مخالفتكم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ترككم ما أمركم به، لا ظلما من الله، ولا عجزا عن نصركم، فإن الله على كل شيء قدير، يعفو وينصر بحكمة إذا شاء، ويعاقب إذا شاء..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، عباد الله:

إذا كان النصر من عند الله وحده، ولا ينال إلا بفضله وتوفيقه، فإن من أعظم مفاتيح هذا التوفيق، ومن أوكد شروطه التي لا يقوم نصر بدونها: طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والانقياد لأمره، والحذر من مخالفته.
فطاعة النبي صلى الله عليه وسلم ليست أمرا ثانويا، بل هي ركن راسخ من أركان الدين، وسبب عظيم من أسباب النصر، ومصدر من مصادر القوة، وعنوان للفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، ولذا، في غزوة أحد حين خالف بعض الرماة أمره صلى الله عليه وسلم وتركوا مواقعهم، تبدلت مجريات المعركة، وكر العدو من الخلف، فكانت الخسائر والابتلاء، تربية وتأديبا من الله، لا انتقاما ولا خذلانا دائما..

وهنا يقف القلب طويلا، أمام درس وحقيقة هامة وعظيمة: إن معصية ومخالفة واحدة، في ساعة حاسمة والنبي صلى الله عليه وسلم حاضر بين أصحابه، كانت كافية لأن تضيع نصرا قد انعقدت أسبابه، وظهرت بشائره، فكيف إذا كثرت المعاصي وتوالت المخالفات؟ وكيف إذا صار أمر النبي صلى الله عليه وسلم يقدم عليه الهوى؟ أو تعارض سنته بالعقل والرأي؟! أو تؤخر طاعته طلبا لدنيا زائلة؟!!
إنها رسالة بليغة وواضحة للأمة أفرادا وجماعات: أن طريق النصر لا ينال بالشعارات ولا بالحماسة الفارغة، وإنما بطاعة الله والانقياد لشرعه، وتعظيم أوامره، والتسليم لحكم رسوله صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا، في السلم والحرب، في الشدة والرخاء، فيما وافق الهوى والعقل وفيما خالفهما، مع الأخذ بما أمر الله بأخذه من أسباب، قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب}(الحشر:7)، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) رواه البيهقي..

وختاما، عباد الله: إن غزوة أحد لها مكانة عظيمة في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، ومع ما حملت من آلام وجراح وانكسار، إلا أنها لم تكن هزيمة بالمعنى العسكري، بل كانت مدرسة ربانية كبرى، كشفت سنن النصر والهزيمة والانكسار، وقد تعلم الصحابة رضوان الله عليهم من أحداثها أسباب النصر والعزة، وأسباب الانكسار الهزيمة، لتبقى دروسها عبر الأجيال، تذكر الأمة بسنن الله في عزها وضعفها، وتبصرها بواقعها وصراعها مع أعدائها.
فما أحوجنا اليوم أن نقف مع أحد وقفة صدق، فنأخذ بأسباب النصر ونحذر من أسباب الانكسار، فكما كان النصر يومها في طاعة الله ورسوله، والانكسار في مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن نصر الأمة في اجتماعها على الحق، ووحدتها على طاعة الله، وعدم مخالفتها للنبي صلى الله عليه وسلم، وابتعادها عن الذنوب والمعاصي.. وكذلك فإن عزنا وسعادتنا كأفراد في إيماننا واستقامتنا، وصدقنا والتزامنا بأوامر ربنا في بيتوتنا وعملنا ومعاملاتنا وحياتنا، وفي تمسكنا بسنة وهدي نبينا، وعدم مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم..

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56).
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة