آثار الإيمان بالله على الفرد والأسرة والمجتمع

0 1

الخطبة الأولى 
 
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: اتقوا الله -عباد الله- حق تقاته، واعلموا أن أصل الأصول، وأعظم ما تبنى عليه الحياة كلها: الإيمان بالله عز وجل. {وٱتقوا يوۡمٗا ترۡجعون فيه إلى ٱللهۖ ثم توفى كل نفۡسٖ ما كسبتۡ وهمۡ لا يظۡلمون} [البقرة: 281]. {يٓأيها ٱلذين ءامنوا ٱتقوا ٱلله وٱبۡتغوٓا إليۡه ٱلۡوسيلة وجهدوا في سبيلهۦ لعلكمۡ تفۡلحون} [المائدة: 35]. {يٓأيها ٱلذين ءامنوا ٱتقوا ٱلله ولۡتنظرۡ نفۡسٞ ما قدمتۡ لغدٖۖ وٱتقوا ٱللهۚ إن ٱلله خبيرۢ بما تعۡملون} [الحشر: 18].
أما بعد؛
عباد الله: إن الإيمان بالله تعالى ليس كلمة تقال، ولا دعوى تدعى، بل هو اعتقاد في القلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو النور الذي يبدد ظلمات الشك، والطمأنينة التي تسكن بها القلوب، والمنهج الذي تستقيم به الحياة. قال الله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ۖ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ۗ أولئك أصحاب النار ۖ هم فيها خالدون} [البقرة: 257].
حديثنا اليوم عن آثار الإيمان بالله على الفرد، والأسرة، والمجتمع؛ لأن الإيمان إذا استقر في القلب أثمر صلاحا في النفس، وانعكس خيرا في البيت، وانتشر نورا في المجتمع.
أيها المسلمون: أول ثمرة من ثمرات الإيمان: طمأنينة القلب وسكون النفس. قال الله تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ۗ ألا بذكر الله تطمئن القلوب * الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب} [الرعد: 28-29]. فالمؤمن يعلم أن له ربا حكيما يدبر أمره، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فلا يجزع عند البلاء، ولا يطغى عند الرخاء، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) رواه مسلم.
ومن آثار الإيمان على الفرد: الاستقامة على الطاعة وترك المعصية؛ لأن المؤمن يستحضر مراقبة الله تعالى له في السر والعلن. قال تعالى: {ألم يعلم بأن الله يرى} [العلق: 14]. فإذا خلا بنفسه لم تغلبه الشهوة، وإذا غاب الرقيب البشري لم يغب عنه رقيب السماء.
ومن آثار الإيمان كذلك: قوة الشخصية والثبات على الحق؛ لأن من عرف الله لم يخف غيره. قال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله ۗ والله ذو فضل عظيم} [آل عمران: 173-174]. فالإيمان يصنع رجالا ونساء ثابتين لا تزعزعهم الفتن، ولا تغريهم الشبهات، ولا تجرهم الشهوات.
أيها المؤمنون: إذا كان الفرد المؤمن لبنة صالحة، فإن الأسرة المؤمنة بناء متين، وأول آثار الإيمان في الأسرة: أن تسود فيها المودة والرحمة. قال الله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ۚ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الروم: 21]. فجعل الله تعالى السكن والمودة والرحمة ثمرة من ثمار الإيمان به، ومعرفة حدوده، وتعظيم شرعه. فالمؤمن في بيته يتعامل بخلق الإيمان؛ فلا ظلم، ولا قسوة، ولا تعال، ولا اعتداء، بل رحمة عند الغضب، وحلم عند الزلل، وعفو عند الخطأ. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي. فالمعيار الحقيقي لإيمان الرجل ليس صورته أمام الناس، بل خلقه في بيته، وليس حسن منطقه في المجالس، بل حسن عشرته لأهله.
عباد الله: ومن أعظم آثار الإيمان في الأسرة: تربية الأبناء على القيم والطاعة، وغرس معاني الإيمان في قلوبهم منذ نعومة أظفارهم. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6]. أي: احفظوهم من أسباب النار، علموهم، أدبوهم، وجهوهم، واصبروا عليهم. فالأب المؤمن لا يكتفي بإطعام ولده، ولا يرضى له بمجرد النجاح الدنيوي، بل يريد له نجاة أخروية، وفلاحا أبديا، فيعلمه الصلاة قبل الشهادة، ويغرس في قلبه مراقبة الله قبل مراقبة الناس، ويربيه على الصدق والأمانة والحياء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع) رواه أبو داود. وقال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة) رواه البخاري ومسلم. إن التربية بالإيمان تصنع جيلا مستقيما ولو غاب الرقيب، وتنشئ إنسانا صالحا ولو ابتعد عن أعين والديه.
أيها المسلمون: ومن آثار الإيمان في الأسرة كذلك: حل النزاعات بطريقة شرعية، والرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله عند الخلاف. قال الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ۚ ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59]. فربط الله بين صدق الإيمان وبين رد النزاع إلى الشرع، وكأن الإيمان يختبر عند الخصومة، لا عند الاتفاق. فالزوج المؤمن إذا غضب استحضر تقوى الله تعالى، والزوجة المؤمنة إذا اختلفت رجعت إلى شرع الله تعالى، والأب إذا حكم بين أولاده عدل بينهم؛ لأنهم جميعا يعلمون أن فوقهم ربا يسمع ويرى. فالإيمان يجعل البيت ساحة عدل لا ساحة خصام، وميدان رحمة لا ميدان انتقام، وموطن سكينة لا موطن توتر. والبيوت لا تبنى بالأثاث الفاخر، بل تبنى بالإيمان الصادق، ولا تحفظ بالأقفال المحكمة، بل تحفظ بتقوى الله ومراقبته؛ فنسأل الله أن يصلح بيوتنا، وأن يجعلها عامرة بطاعته، مطمئنة بذكره، قائمة على شرعه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
عباد الله: إذا صلح الأفراد واستقامت الأسر؛ صلح المجتمع كله. وأول آثار الإيمان في المجتمع: الأمن والاستقرار. قال الله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 82]. فالمجتمع المؤمن يقل فيه الظلم، وتحفظ فيه الحقوق، وتصان فيه الدماء والأعراض.
ومن آثار الإيمان: التكافل والتراحم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه البخاري ومسلم. فالمؤمن لا ينام وجاره جائع، ولا يرضى بالفساد، ولا يسكت عن الظلم، لأنه يعلم أنه مسؤول أمام الله تعالى.
ومن آثار الإيمان كذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال الله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ۗ ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم ۚ منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} [آل عمران: 110]. فالإيمان ليس انعزالا، بل إصلاح وبذل ونصح، وحضور إيجابي في المجتمع.
أيها المؤمنون: إن ضعف الإيمان سبب لانتشار القلق في الفرد، والتفكك في الأسرة، والفساد في المجتمع؛ وإن قوة الإيمان سبب للسكينة، والوئام، والاستقامة. فجددوا إيمانكم، وازرعوه في بيوتكم، وربوا أبناءكم عليه، وكونوا دعاة إليه بأفعالكم قبل أقوالكم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية 
 
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
عباد الله: إن من أعظم ما يعتنى به في هذا الزمان – زمن الفتن المتكاثرة، والشبهات المتراكمة، والشهوات المتزاحمة – تقوية الإيمان في القلوب؛ فإن الفتن إذا أقبلت لم يثبت لها إلا قلب ممتلئ إيمانا، عامر يقينا، متصل بالله عز وجل. وإننا نعيش زمنا تتغير فيه المفاهيم سريعا، وتلبس فيه الحقائق، ويزين فيه الباطل، ويهون فيه من شأن المعاصي، وتثار فيه الشبهات حول الثوابت؛ فلا عاصم للعبد بعد توفيق الله إلا إيمان راسخ، وعلم صحيح، وقلب معلق بربه. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم خطورة هذا الزمان بقوله: (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا) رواه مسلم. فدل ذلك على أن الإيمان يحتاج إلى تعاهد وتجديد، وحراسة وصيانة.
أيها المؤمنون: من أعظم أسباب تقوية الإيمان: المحافظة على الصلاة في وقتها؛ لأنها صلة بين العبد وربه، ومصدر نور للقلب، وقوة للروح. قال الله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45]. وكثرة ذكر الله وقراءة القرآن؛ فالقرآن هو غذاء الإيمان، وروح القلوب، ونور البصائر. قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} [الأنفال: 2]. فالقرآن لا يقرأ عادة، بل يتدبر عبادة، ولا يتلى صوتا، بل يستحضر معنى.
ومما يقوي الإيمان أيضا: صحبة الصالحين؛ فالقلب يضعف وحده، ويقوى بإخوانه، والمرء على دين خليله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) رواه أبو داود. فالصحبة الصالحة تذكر العبد إذا نسي، وتعين إذا فتر، وتثبت إذا اضطرب.
والدعاء بسؤال الثبات من أهم ما يحتاجه العبد، وقد كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) رواه الترمذي. قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، أوتخاف علينا؟ قال: (وما يؤمنني يا عائشة والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) رواه أحمد. فإذا كان سيد الثابتين يسأل الله الثبات، فكيف بنا نحن المقصرين؟ فجددوا إيمانكم بالطاعة، واحرسوه بالمراقبة، وقووه بالذكر، وسلو الله الثبات حتى الممات.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة