سمعنا وأطعنا

0 0

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.. أما بعد، أيها المسلمون:

إن ديننا العظيم ليس مجرد شعائر وعبادات تؤدى وفقط، بل هو منهج حياة شاملة، قائم على الاستجابة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، استجابة تحيي القلوب، وتصلح النفوس، وتنهض بالفرد ليسعد في الدنيا والآخرة، وتنهض بالمجتمع ليكون صالحا مترابطا، وبالأمة لتكون قوية وشاهدة على الناس..
فالاستجابة لله ولرسوله عنوان الإيمان، وثمرة التصديق، ودليل المحبة واليقين، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}(الأنفال:24)، فهذا هو نداء الحياة السوية، ونداء الإيمان الحقيقي، فما كان شأن المؤمنين إلا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، لا جدال ولا اعتراض، بل انقياد وتسليم، وما أعظم أن يكون العبد حيا بذكر الله، حيا بطاعته، حيا بامتثال أمره، فإن الحياة الحقيقية ليست حياة الأجساد، وإنما حياة الأرواح والقلوب بالإيمان والعبادات والأخلاق..
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن التسليم والاستجابة لله ولرسوله، والمبادرة والمسارعة إلى الطاعة هي سبيل النجاة، وأن طاعته واستجابة أمره طاعة لله، فقال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) رواه البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله) رواه البخاري.

فالاستجابة لله ولرسوله هي مفتاح السعادة في الدنيا، ومفتاح النجاة في الآخرة، وهي الطريق الذي سار عليه الصحابة والتابعون، فكانوا لا يبحثون عن أعذار، وما ترددوا ولا سوفوا، بل كانوا يسابقون إلى امتثال أمر الله وطاعته، حتى صاروا بحق خير أمة أخرجت للناس، وصدق فيهم قول الله تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا}( النور:51).
أما حال من أعرض عن أمر الله ورسوله؟ وتردد أو سوف أو أجل الطاعة بعد أن جاءه البيان؟ فإنه على خطر عظيم، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه}(الأنفال:24)، فمن اعترض على أمر الله ورسوله، أو أعرض أو أبطأ عنهما، فقد يحال بينه وبين قلبه، فلا يقدر على الاستجابة ولو أراد، ويكون حاله وشأنه كما قال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}(النساء:115).
فمن لم يستجب لأمر الله، ومن اعترض على أمر الله ورسوله، أو أعرض أو أبطأ عنهما، فهو بين خطرين: فقد عرض قلبه للغلق، فلا يقدر على الاستجابة والطاعة ولو أراد، وعرض مصيره لسوء العاقبة والخسران، فيترك في طريق أهل الظلم ويساق إلى جهنم مع المجرمين.. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا) رواه مسلم. فلا مجال للتأخير، ولا عذر في التردد عن أمر الله، وعن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما هو السمع والطاعة، والمبادرة والمسارعة، فمن استجاب لله ولرسوله فاز ونجا وسعد في الدنيا والآخرة، ومن أعرض فقد خسر حياته وآخرته..

عباد الله: إن المسارعة إلى امتثال أمر الله صفة من صفات الأنبياء والرسل والمؤمنين.. انظروا إلى خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين رأى في المنام أنه يذبح ابنه وفلذة كبده، وهو يعلم أن رؤيا الأنبياء وحي وحق، ولا بد من تنفيذها، فقال لابنه إسماعيل: {يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك}(الصافات:102)، فماذا قال ذلك الولد البار؟ : {قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين}(الصافات:102)، هكذا استجاب الأب والابن معا لأمر الله، استجابة لا تعرف التردد ولا الاعتراض، ولو كان الثمن النفس والولد..
وكذلك حين أمره الله أن يؤذن في الناس بالحج في واد لا أنيس فيه وذلك بقوله سبحانه: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}(الحج:27)، لبى إبراهيم عليه الصلاة والسلام الأمر، فجعل الله أفئدة من الناس تهوي إلى البيت العتيق، فلا يخلو لحظة من طائف أو راكع أو ساجد.. فما أعظم هذه الاستجابة، وما أبلغ هذا التسليم، وما أجدرنا أن نقتدي به في سرعة الطاعة والانقياد لأمر الله، مع أننا لم ولن نؤمر بمثل ما أمر به إبراهيم عليه الصلاة والسلام من ذبح ولده، ولكننا نؤمر بما هو أيسر وأهون، من صلاة وزكاة وصيام وحج، ومن ترك المحرمات واجتناب المعاصي، فكيف يليق بنا أن نتأخر أو نتردد؟!!

وتأملوا ـ رحمكم الله ـ في استجابة نبيكم صلى الله عليه وسلم، وهو الطريد الذي لا ناصر له ولا معين إلا الله.. أوذي في مكة، ووضع الشوك في طريقه، وألقي سلى الجزور على ظهره، ورمي بالحجارة في الطائف حتى أدموا قدميه، واتهم بالسحر والكذب والجنون وهو الصادق الأمين المعصوم صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يتردد لحظة في سرعة استجابته لأمر ربه، فلما نزل قول الله تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين}(الحجر:94) ماذا كان شأن نبينا صلى الله عليه وسلم بعد ورود أمر الله؟
كان شأنه الاستجابة الفورية لأمر الله، فنادى قريشا وقال لهم بأعلى صوته : (يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا) رواه الحاكم، وصعد إلى جبل الصفا وجعل يناديهم قبيلة قبيلة وأعلنها مدوية: (إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) رواه البخاري.. فواجهوه بالسخرية والاستهزاء والإيذاء، فظل صابرا ثابتا على استجابته لأمر الله، يدعوهم إلى الإسلام، بل وخرج للوفود القادمة إلى مكة يدعوها إلى التوحيد والإسلام..
وهكذا كان في كل أمر، لما جاءه الأمر بالهجرة إلى المدينة المنورة، خرج من مكة تاركا الأهل والديار، مستجيبا لأمر الله، واثقا بنصره، رغم تربص المشركين به..
ولما نزل الأمر بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، استجاب لأمر الله بلا تردد، وحين أمر بالخروج للجهاد، خرج بأصحابه وهم قلة، مستجيبا لأمر الله، غير ملتفت إلى ضعف العدد والعدة.. ولما اجتمع عليه الأحزاب، لم يتراجع، بل استجاب لأمر الله بالصبر والثبات، حتى نصره الله..
فانظروا ـ عباد الله ـ كيف كان نبيكم صلى الله عليه وسلم أسرع الناس إلى أمر الله، وأشدهم استجابة، وأعظمهم امتثالا>
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، عباد الله:

أما الصحابة رضي الله عنهم، فلهم في باب الاستجابة شأن عظيم، فقد تيقنوا أن الاستجابة لأمرلله، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، هي مقتضى الإيمان والعبودية لله جل وعلا، لما نزل قول الله في شأن تحريم الخمر لم يترددوا لحظة في الانتهاء عنها، من كان في يده كأس حطمها، ومن كان في فمه جرعة خمر لفظها، وكسروا أواني الخمر وأراقوها حتى غرقت بها طرق المدينة، وقالوا جميعا: "انتهينا ربنا"، استجابة فورية لقول الله تعالى في نهيه وتحريمه للخمر: {فهل أنتم منتهون}(المائدة:91).

وكذلك نساء الصحابة، ما إن نزل أمر الله بالحجاب حتى شققن مروطهن واحتجبن، فخرجن لا يرى منهن إلا الحجاب والطاعة، استجابة عاجلة لأمر ربهن في قوله سبحانه: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن}(الأحزاب:59)..
فأين نحن من تلك الاستجابة وسرعة الطاعة والانقياد؟ إن الحجاب ليس عادة ولا تقليدا، بل هو أمر رباني، شعار عفة، وراية طاعة، فليكن امتثالنا كما كان امتثال نساء الصحابة بالحجاب، بلا جدال ولا تردد، بل خضوع لله ورضا بشرعه..
هكذا كانت استجابة الصحابة رضوان الله عليهم لأمر الله ورسوله، طاعة وانقيادا بلا جدال ولا اعتراض، سواء عرفوا العلة أو لم يعرفوها، وسواء أدركوا السبب أو لم يدركوه، حتى لو خالف الأمر عاداتهم وأهواءهم وعقولهم، عملا بقول الله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}(الأحزاب:36)، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) رواه البيهقي.
فأين نحن من الاستجابة الصادقة التي قدم بها الصحابة أرواحهم وأموالهم دون تردد؟ 

وختاما، عباد الله: لقد أمرنا الله بالمحافظة على الصلاة، فهل حافظنا عليها؟ وأمرنا بالإنفاق والصدقات على الفقراء، فهل بادرنا إليها؟ ونهانا عن الربا والغيبة والنميمة والفساد في الأرض، فهل انتهينا؟ وأمرنا ببر الوالدين وصلة الأرحام، فهل قمنا بحقهم؟ وأمرنا بالعفة وغض البصر وحفظ الفروج، فهل امتثلنا؟ ونهانا عن الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، فهل اجتنبنا؟ وأمرنا بالعدل والإحسان فهل امتثلنا؟ ونهانا عن الفحشاء والمنكر والبغي، فهل انتهينا؟!!
إن المؤمن الحق لا يتردد ولا يتأخر، بل يسارع للاستجابة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ويقول بلسان حاله ومقاله: "سمعنا وأطعنا"، في نفسه وبيته، وعمله ومعاملاته..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة