اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة

0 0

الخطبة الأولى
 
الحمد لله الحكم العدل، الذي حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرما، وأمر بالقسط والإحسان، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل العدل أساس الملك، والظلم سبب الهلاك والعطب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، حذر أمته من الظلم صغيره وكبيره، وربط بين الظلم وعاقبته في الدنيا والآخرة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]. {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1]. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ۗ ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد،
عباد الله: اعلموا أن الظلم من أعظم الذنوب وأشدها خطرا، وأنه جريمة عظيمة تهدم الأفراد والمجتمعات، وتفسد القلوب، وتقطع أواصر المحبة بين الناس. والظلم ليس أمرا هينا كما يظنه بعض الناس، بل هو سبب لزوال النعم، ونزول النقم، وتعجيل العقوبة في الدنيا قبل الآخرة. قال الله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا) رواه مسلم.
فتأملوا – رحمكم الله – كيف حرم الله الظلم على نفسه وهو الملك الجبار، القادر على كل شيء، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ومع ذلك جعله محرما على نفسه عدلا منه سبحانه، ثم حرمه على عباده تحريما مؤكدا، ليقيم بينهم ميزان العدل، ويصون مجتمعهم من الفساد. فإذا كان الله جل وعلا قد حرم الظلم على نفسه وهو الملك القادر، فكيف يجرؤ عبد ضعيف، مخلوق فقير، على ظلم أخيه؟ وكيف ينسى أنه موقوف بين يدي الله، مسؤول عن كل صغيرة وكبيرة؟ إن الظلم – عباد الله – دين لا بد أن يقضى، وحق لا بد أن يؤدى، والله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
أيها المسلمون: إن الظلم أنواع متعددة، وصور متنوعة، يجمعها كلها مجاوزة الحد الذي أمر الله به. فأعظمها وأشدها خطرا: ظلم العبد لربه، وذلك بالشرك بالله تعالى، بأن يصرف شيئا من العبادة لغير الله، أو يتعلق قلبه بغير خالقه، قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13]، لأنه وضع للعبادة في غير موضعها، وجعل حق الخالق للمخلوق. ويلي ذلك ظلم العبد لنفسه، وذلك بارتكاب المعاصي والذنوب، فإن العاصي في الحقيقة يظلم نفسه، لأنه يعرضها لعقوبة الله تعالى، ويحرمها من رحمته، قال تعالى: {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [البقرة: 57]. ثم يأتي ظلم العبد لغيره من الناس، وهو منتشر في صور كثيرة: كأكل الحقوق، والتعدي على الأموال، والغش في المعاملات، والخيانة، والبهتان، ونقض العهود، وكل ذلك من الظلم الذي حرمه الله، وجعله سببا للهلاك، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم محذرا: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) رواه البخاري. فجمع هذا الحديث بين الأمر بالتقوى والتحذير من الظلم، ليبين خطورته وعظيم عاقبته.
أيها المؤمنون: تأملوا هذا الوصف النبوي البليغ: (ظلمات يوم القيامة)، فهو تصوير يهز القلوب، ويرعب النفوس، ويجعل الإنسان يعيد النظر في كل تصرفاته. فمعنى ذلك أن الظالم يأتي يوم القيامة وقد تراكمت عليه الظلمات، تحيط به من كل جانب، فلا يهتدي طريقا، ولا يجد نورا يسعى بين يديه، بينما يسعى نور المؤمنين أمامهم وبأيمانهم. وذلك لأن العدل نور، والظلم ظلمة، فمن عاش في الدنيا بالعدل أضاء الله له طريقه في الآخرة، ومن عاش بالظلم أطفأ نور نفسه بيده. إن الظالم – عباد الله – قد يظن أنه نجح في الدنيا، وقد يظن أنه أفلت من العقوبة، لكنه في الحقيقة إنما جمع لنفسه ظلمات تتراكم عليه، حتى إذا جاء يوم القيامة وجد نفسه في ظلمة لا خلاص منها إلا برحمة الله. ومن حرم النور في ذلك اليوم، يوم تتقلب القلوب والأبصار، كان في خسران عظيم، وندم طويل، لا ينفع معه ندم.
عباد الله: إن من صور الظلم التي يستهين بها الناس، ويظنونها أمورا يسيرة، وهي عند الله عظيمة: ظلم الزوج لزوجته، بالقسوة، أو الإهمال، أو منع حقوقها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء خيرا) رواه البخاري.
ومن ذلك ظلم الوالد لأولاده، بالتفريق بينهم، أو القسوة عليهم بغير حق، أو إهمال تربيتهم، فإن الله سائله عنهم. ومنه ظلم المدير لموظفيه، بأكل حقوقهم، أو تأخير أجورهم، أو تحميلهم ما لا يطيقون، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه). ومنه ظلم الشريك لشريكه بالخيانة أو الغدر، وظلم التاجر لزبائنه بالغش والاحتكار والتدليس، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من غش فليس منا) رواه مسلم.
ومنه أيضا ظلم الناس في أعراضهم بالغيبة والنميمة، والكلمة الجارحة، فإن الكلمة قد تهوي بصاحبها في النار. وكل هذه المظالم – عباد الله – محفوظة عند الله تعالى، لا تضيع، وسيسأل عنها أصحابها يوم القيامة، ويقتص منهم للمظلومين، حتى يؤخذ من حسناتهم، فإن فنيت حسناتهم أخذ من سيئات المظلومين فطرحت عليهم، ثم طرحوا في النار، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. فبادروا – رحمكم الله – برد الحقوق، والتحلل من المظالم، قبل أن يأتي يوم لا دينار فيه ولا درهم، وإنما هي الحسنات والسيئات.
أيها المسلمون: لقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من عاقبة الظلم في الحديث العظيم الذي يبين حال المفلس، فقال: (أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار) رواه مسلم. فالمفلس الحقيقي ليس من فقد المال، بل من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، وقد ظلم هذا، وأخذ مال هذا، وضرب هذا، فتؤخذ حسناته وتعطى للمظلومين، حتى إذا فنيت حسناته طرح في النار. إنها خسارة لا تعوض.
والظلم سبب لخراب المجتمعات، وزوال النعم، وحلول النقم، قال تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة} [هود: 102]، فالأمم إنما تهلك بظلمها، والبيوت إنما تتصدع بجور أهلها، والأفراد إنما يسقطون بتعديهم على حقوق غيرهم. وإن من أعظم صور الظلم اليوم: ظلم الناس في أعراضهم عبر الألسنة ووسائل التواصل، والقذف، ونشر الإشاعات، والطعن في النيات، وكل كلمة تخرج بغير حق سيسأل عنها صاحبها، قال تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18].
أيها المسلمون: وإن من الظلم كذلك ظلم الإنسان لنفسه بالتهاون في الطاعات، والإصرار على المعاصي، فإن الذنب يجر إلى ذنب، والظلم يورث ظلمة في القلب، حتى يعمى عن الحق، فلا يرى معروفا ولا ينكر منكرا، إلا ما وافق هواه، وعلاج الظلم يكون بالتوبة النصوح، ورد الحقوق إلى أهلها، والتحلل من المظالم، والحرص على العدل في كل شأن، صغيرا كان أو كبيرا، فإن العدل نور، والظلم ظلمة، ومن عدل في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما ولوا) رواه مسلم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والطغيان، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد،
عباد الله: اعلموا أن الظلم محرم بجميع صوره، وهو سبب للظلمات يوم القيامة، وأن المظالم تؤخذ من الحسنات، وأن الشرك أعظم الظلم، وأن العدل سبب النجاة والفوز، وأن من أراد السلامة فليتحلل من المظالم قبل أن يأتي يوم لا درهم فيه ولا دينار؛ فاتقوا الله عباد الله، وأقيموا العدل في أنفسكم وأهليكم وأعمالكم، وردوا الحقوق إلى أهلها، واستغفروا ربكم من كل ظلم وقع منكم، صغير أو كبير. 
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة