- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
يا من تبحث أرواحكم عن الطمأنينة، وتشتاق نفوسكم إلى السكينة، وتتشوف قلوبكم إلى النور، وتسعون إلى السعادة الحقيقية.. اعلموا أن السكينة والطمأنينة والسعادة ليست في زخارف الدنيا ومتاعها وشهواتها، وإنما هي في طريق الهداية والاستقامة على طاعة الله، ولزوم أمره واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن أعرض عن ذلك عاش في ضنك وشقاء، قال الله تعالى: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى}(طه:124:123).
وإذا أردتم أن تروا أثر الهداية والاستقامة في حياة الناس، فانظروا إلى الصحابة رضوان الله عليهم الذين رفعهم الله بها في الدنيا والآخرة، وجعلهم من أهل الجنة رغم ضعفهم وفقرهم.. أليست الهداية والاستقامة هي التي رفعت بلالا الحبشي، وصهيبا الرومي، وسلمان الفارسي حتى صاروا من أهل الجنة، وصاروا أعلاما ومنارات يقتدى بها..
فالهداية هي أعظم ما يطلب في هذه الحياة، وهي أثمن من المال والجاه، وأغلى من المنصب والشهرة، لأنها الطريق إلى رضا الله والفوز بالجنة، قال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام}(الأنعام:125)..
والهداية غاية العقلاء، ومنتهى آمال السعداء، ونحن نسألها ربنا في كل يوم سبع عشرة مرة في سبع عشرة ركعة في الفرائض فضلا عن الرواتب والنوافل: {اهدنا الصراط المستقيم}(الفاتحة:6).
والاستقامة هي ثمرة الهداية، وقد أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم وأمرنا بها معه فقال: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير}(هود:112)، وجاء رجل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم وصية جامعة فقال له: (قل: آمنت بالله ثم استقم) رواه مسلم. والاستقامة جامعة لكل خير، وهي سبب نزول البشارات العظيمة، قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}(فصلت:30)..
عباد الله: إن الهداية التي نرجوها لأنفسنا ولأولادنا ولمن نحب، نور يقذفه الله في قلب من شاء من عباده، وهي أعظم نعمة يمن الله بها على الإنسان، ولذلك فهي ليست كلمة تقال ولا أمنية تتمنى، بل هي رحمة عظيمة لا تنال بالقوة ولا بالمنصب ولا بالمال، وإنما هي فضل من الله يعطيه لمن صدق معه وأخلص له سبحانه، قال تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}(القصص:56)..
ومع ذلك فقد جعل الله لها أسبابا، من أخذ بها رزقه الله نورا وانشراحا في قلبه، ومن أعرض عنها عاش في ظلمات الشقاء.. ومن أعظم هذه الأسباب الصدق مع الله، وإخلاص القلب لله، فلا يعمل العبد عملا إلا ابتغاء وجهه، ولا يطلب رضا أحد سوى ربه، قال تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}(الكهف:110)
وإذا كانت الهداية أملا يشتاق إليه كل عاقل، فهل السبيل إليها عسير أم يسير؟ إنها يسيرة على من طلبها بصدق، وخاف مقام ربه، ورغب في ثوابه وجنته، والهداية شاقة على من أعرض عنها وتعلق بشهواته، قال الله تعالى: {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين}(البقرة:45). الهداية يسيرة على من إذا عرض له الحرام تركه ابتغاء نعيم مقيم، وإذا زينت له المعصية تذكر نعم الله عليه فقال كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: {قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين}(القصص:17)، أو كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام: {معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي}(يوسف:23).
ومن عرف أن وراء الهداية جنة عرضها السماوات والأرض، ورضا من رب رحيم لا سخط بعده، ونجاة من عذاب أبدي لا ينقطع، سارع إليها، وسار في طريقها، ولذا كان أنبياء الله وصفوته يسارعون في الطاعات والخيرات، قال تعالى: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين}(الأنبياء:90). فما الذي حملهم على المسارعة؟ إنه شدة رغبتهم في الجنة، وخوفهم من النار، ودوام خضوعهم لله جل وعلا.. وهكذا من أراد الهداية حقا، وجدها أيسر ما تكون، ومن أعرض عنها وجدها أبعد من السماء، فاختر لنفسك الطريق الذي يوصلك إلى الله، ولا تغتر بزخارف وشهوات الدنيا، فإن السعادة الحقيقية في الهداية والاستقامة، والشقاء كل الشقاء في السير في طريق الغواية والضلال..
أيها المؤمنون: إن من أعظم ما يصد الناس عن الهداية ويحول بينهم وبين الاستقامة أسباب لو تأملها العاقل لعلم أن أكثرها من صنع يديه، وأنه لو صدق مع الله لزالت عنه تلك العوائق، قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم}(الشورى:30).
فبعض الناس يبدأ طريق الهداية بدافع عاطفة مؤقتة، أو حماسة عابرة، أو تأثر بموقف أو محاضرة أو خطبة، فيبكي ساعة، ويخشع لحظة، ثم إذا خرج إلى واقعه عاد إلى ما كان عليه، لأنه لم يربط قلبه برضا الله ولم يجعل خطواته تسير على أمر الله ونهيه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه البخاري.
فالهداية الحقيقية ليست مجرد انفعال لحظي، بل هي قرار واع بأن كل كلمة تقال، وكل خطوة تخطى، وكل نظرة تنظر، وكل مال ينفق، إنما هو لله وبأمر الله، وامتثالا لرسوله صلى الله عليه وسلم.
فإذا استقر هذا المعنى في القلب، صارت الاستقامة ثابتة لا تهزها العواصف، ولا تضعفها المغريات، ولا تنكسر أمام ضغط الحياة والمجتمع، أو تقلبات الزمان، قال تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة}(إبراهيم:27).
أما من جعل هدايته واستقامته مجرد حالة عاطفية مؤقتة، فإنه سرعان ما يتراجع إذا خلا بنفسه أو وجد نفسه بين قوم لا يعينونه، لأنه لم يربط قلبه بالله عز وجل وإنما ربطه بالناس، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لله كفاه الله الناس"، فالهداية لا تثبت إلا إذا كانت لله وحده، لا لمجاملة ولا لمشاركة ولا لحماسة وعاطفة عابرة..
واعلموا عباد الله أن من أعظم أسباب الانتكاس بعد الهداية وعدم الثبات على الاستقامة: صحبة السوء، فإن المرء على دين خليله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) رواه أبو داود. والطباع تسرق من بعضها، والقلوب تتأثر بمجالسة من حولها، قال تعالى: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا}(الفرقان:27-28).
وكم من شاب استقام قلبه، ثم عاد إلى الانحراف بسبب جلساء السوء الذين جروه إلى المعاصي، وكم من فتاة استقامت على أمر الله ثم ضعفت حين أحاطت بها صحبة سيئة، وليس هذا بغريب ولا عجيب، بل أمر واقع ومشاهد، ولذلك شبه النبي صلى الله عليه وسلم الجليس الصالح بحامل المسك، إما أن يعطيك أو تجد منه ريحا طيبة، وشبه الجليس السوء بنافخ الكير، إما أن يحرقك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة.. وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "اعتبروا الناس بأصحابهم، فإن الرجل لا يصحب إلا من يعجبه"، وقال بعض السلف: "الصاحب ساحب"، أي يجرك إلى ما هو عليه من خير أو شر..
وفي واقعنا اليوم نرى أثر ذلك واضحا، فكم من شاب كان على طريق الطاعة، ثم انتكس بسبب جلساء السوء، أو عبر وسائل التواصل التي صارت مجالس مفتوحة وتأثيرها أشد من تأثير الجليس المصاحب، حتى ضعف قلبه وانطفأ نوره ، وبعد عن طريق الهداية والاستقامة..
فاحذروا صحبة السوء، والزموا صحبة الأخيار الذين يذكرونكم بالله إذا نسيتم، ويعينونكم على الطاعة إذا ضعفتم، فإن الصحبة الصالحة من أعظم أسباب الثبات على الهداية، قال تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}(الكهف:28). وأكثروا من الدعاء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يردده: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) رواه الترمذي.
فمن صدق مع الله، وأحسن اختيار جلسائه، وألزم نفسه بذكر الله، ثبتت هدايته واستقامته، وكان ممن قال الله فيهم: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}(الطلاق:3).
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، عباد الله:
ما أكثر الذين اهتدوا واستقاموا مدة من الزمن، بسبب موقف، أو بلاء، أو صحبة في سفر مع أناس صالحين، ثم انتكسوا بعدها!! وما السبب في ذلك إلا لأن استقامتهم أو توبتهم كانت نتيجة عاطفة ومشاعر مؤقتة لم يستثمرها صاحبها في تحويل هذه المشاعر والهداية إلى برنامج علم وعمل وحياة..
فالهداية والاستقامة ربما تأتي بدمعة تأثر لموقف أو آية أو صحبة لكنها لا تثبت إلا على علم يرسخ الإيمان، وعمل صالح يزيده ويقويه، وعبادة تربي القلب، وصحبة صالحة تعين على الطاعة، وعزم على التخلص من الذنب، والبعد عن أسباب الوقوع فيه وعن كل ما يقرب منه، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان}(البقرة:208). فالهداية لا تثبت إلا بقطع أسباب الغواية، والبعد عن مواطن الفتنة، والحرص على تزكية النفس.
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
وختاما،عباد الله: إن طريق الهداية والاستقامة يحتاج إلى عزيمة صادقة، ومجاهدة للنفس، وحذرا من مزالق الشيطان، وهو طريق ليس بعيدا على من صدق مع الله، ولا عسيرا على من أقبل بقلبه وجوارحه على ربه سبحانه، وجعل غايته رضا الله والفوز بالجنة..
فاحرصوا على المحافظة على الصلاة فهي عمود الدين وسبب عظيم من أسباب الهداية والثبات عليها، ولا تؤخروا التوبة فإن الموت يأتي بغتة، وابتعدوا عن المعاصي صغيرها وكبيرها، واحذروا الصحبة السيئة التي تجر إلى الضلال والابتعاد عن طريق الهداية، فالمرء على دين خليله، وكونوا مع الصالحين الذين يذكرونكم بالله ويعينونكم على الثبات على طريق الهداية والاستقامة، وأكثروا من الدعاء كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).. فمن صدق مع الله وألح على الله بسؤاله ودعائه ثبته الله، ويسر وفتح له أبواب الهداية والاستقامة، ويسر له السعادة في الدنيا والآخرة..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56).

المقالات

