- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
إن أعظم نعمة امتن الله عز وجل بها على عباده هي نعمة الإسلام، هذا الدين العظيم الذي ارتضاه الله لعباده، وأكمله وأتمه، وجعله السبيل والصراط المستقيم الذي لا يقبل الله من أحد غيره، قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}(آل عمران:85)..
دين شامل كامل جمع بين العقيدة النقية والأخلاق الفاضلة، وبين العبادة الصحيحة والمعاملة الحسنة، فجاء رحمة للعالمين، وهداية للبشرية أجمعين، ونورا يبدد ظلمات الجهل والشرك والضلال، ومنهجا يضبط علاقة الإنسان بربه، ويهذب سلوكه مع نفسه، ويقوم معاملاته مع الناس، ويصلح أحوال البلاد والعباد في المعاش والمعاد، وفيه الأمن والسعادة الحقيقية المنشودة للأفراد والمجتمعات..
هذا الدين العظيم يقوم على أصل راسخ وأساس متين وهو توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة، وإخلاص الدين له وحده لا شريك له، وتحقيق المتابعة لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، ولقد أكد الإسلام على هذا الجانب تأكيدا بالغا، بل لم يحظ جانب في الإسلام بمثل ما حظي به جانب التوحيد، وما ذاك إلا لأنه القاعدة الكبرى التي تنبني عليه الأقوال والأفعال، وقد كانت عقيدة التوحيد هي الأصل الذي قامت عليه دعوة جميع الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}(الأنبياء:25)..
فالمسلم الحق يعتقد أن الله هو الخالق الرازق، المالك المتصرف، المحيي المميت، الضار النافع، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن أحدا لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا إلا بإذن الله، قال تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير}(الأنعام:17)، وهو سبحانه الكامل في ذاته وصفاته، له الأسماء الحسنى والصفات العلى {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}(الشورى:11)، فلا يجوز صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، فهو سبحانه يعطي ويمنع، ويضر وينفع، والعبادات كلها من صلاة وطواف ودعاء ونذر وذبح واستغاثة وحلف واستعاذة وغيرها كل ذلك محض حقه سبحانه لا شريك له، فلا يجوز صرف شيء منها لغيره، قال تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا}(النساء:36).
عباد الله: إن توحيد الله هو الغاية العظمى التي بعث من أجلها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فجعلها أساس دعوته ومحور رسالته، وغرسها في القلوب غرسا عميقا، وحماها من كل ما يمكن أن يخدشها، وكيف لا، وهو الذي أنزل الله عليه قوله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}(الأنعام: 162-163)..
وقد كان صلى الله عليه وسلم أشد ما يكون حرصا على نقاء العقيدة، وتحذيرا لأمته من الشرك ووسائله، فلم يترك بابا يؤدي إليه إلا سده، ولا سببا يقود إليه إلا نهى عنه، صيانة للتوحيد، وحماية لجنابه، وقد بين صلى الله عليه وسلم أن أول واجب على الأمة هو تحقيق التوحيد علما وعملا، وكان يحذر أصحابه وأمته من بعدهم تحذيرا شديدا من الشرك، وينهاهم عن كل ما يوصل إليه من قول أو فعل، صغيرا كان أو كبيرا، والأحاديث النبوية الدالة على ذلك كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا) رواه البخاري، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار) رواه البخاري.
وهكذا جاء الإسلام بهذه العقيدة الصافية ليخرج الناس من الشرك إلى التوحيد، وليحررهم من أسر الأهواء والضلالات إلى نور الحق والإيمان، وليبني الإنسان على أساس العقيدة الراسخة، فيكون عبدا لله وحده، رافعا رأسه بالعزة، مطمئنا باليقين، سائرا في طريق الحق والنور.
فالمسلم الذي يتمسك بعقيدته الصحيحة يعيش مطمئنا ثابتا أمام تيارات الإلحاد والمادية، ويجد في توحيده لربه قوة على مواجهة التحديات والفتن والشهوات، فالتوحيد "لا إله إلا الله" ليس مجرد كلمة تقال، بل هو حياة تعاش، ومنهج يتبع، وطمأنينة تغرس في القلب، وقوة تمد المؤمن في مواجهة أعباء وفتن الحياة، فيظل ثابتا على الحق، مستضيئا بنور العقيدة، سائرا في طريق النجاة والفلاح..
أيها المؤمنون: لقد جاء الإسلام منهجا متكاملا لا يقتصر على تصحيح العقيدة وتطهيرها من شوائب الشرك والضلال فحسب، بل جاء أيضا ليهذب النفوس ويقوم الأخلاق ويصلح المجتمعات، وينشر الخير والفضيلة بين الناس، ويطفئ نار الشر والرذيلة، ويسد منافذ الفساد، فجعل مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، وكريم الصفات من أعظم ما دعا إليه..
وقد امتاز الإسلام بمنهج أخلاقي فريد لم ولن يصل إليه نظام بشري أبدا، لأنه منبثق من جوهر العقيدة الصافية التي ترفع الإنسان الذي كرمه الله، وتحصنه من الانحراف والرذيلة، وتدفعه إلى الخير والصلاح والاستقامة، ليعم المجتمع المحبة والأخوة..
فالأخلاق في الإسلام ليست أمرا ثانويا أو شكليا، بل هي لب الدين، وثمرة من ثمرات العقيدة الصحيحة، وهي المعيار الذي يقاس به صلاح الأفراد والمجتمعات، ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأخلاق سببا من أسباب بعثته فقال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) رواه أحمد
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فصلاح الفرد والمجتمع إنما يقوم على قوة الإيمان وصحة العقيدة وحسن الخلق، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الشريفة هذا الترابط الوثيق بين الإيمان والأخلاق، فالحياء شعبة من شعب الإيمان، والإحسان إلى الجار من تمام الإيمان، وضبط اللسان وعدم النطق إلا بخير من دلائل الإيمان، كما جعل الصدق والأمانة شرطا لكمال الإيمان، وربط محبة الخير للناس بالأخوة الإيمانية، وأكد أن المسلم الحق هو من سلم الناس من لسانه ويده، وأن إكرام الضيف من الإيمان بالله واليوم الآخر.. وهكذا يظهر أن العقيدة ليست مجرد اعتقاد قلبي، بل هي سلوك ومعاملة وأخلاق تترجم في واقع الحياة، فيغدو الإيمان والعقيدة أساسا لإصلاح النفوس وبناء الأفراد والمجتمعات والأمم..
ونبينا صلى الله عليه وسلم هو القدوة العظمى والمثل الأعلى في الأخلاق، وقد شهد الله تعالى له بذلك في قوله: {وإنك لعلى خلق عظيم}(القلم:4)، وقد تجلت أخلاقه في حياته كلها، فكان أرقى الناس خلقا، وأحسنهم أدبا، وأصدق الناس حديثا، وأوفاهم عهدا، وأرحمهم بالضعيف، وألينهم جانبا، وأكرمهم معاملة، حتى إن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وصفت حاله بقولها: (كان خلقه القرآن)، أي أنه كان صورة تطبيقية للقرآن الكريم، يجسده في سلوكه وأفعاله وأقواله. وكان أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا)، فكان عليه الصلاة والسلام رحمة مهداة، ونعمة مسداة، وقدوة في مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، حتى صار خلقه وسلوكه منهجا يتبع، وسيرته مدرسة يتعلم منها الناس كيف يعيشون حياة طيبة فاضلة قائمة على الصدق والأمانة والعدل والرحمة والوفاء وحسن الأخلاق والمعاملة..
وهكذا يتضح لنا أن الإسلام قد جمع بين العقيدة والأخلاق في بناء الإنسان والمجتمع، فجعل العقيدة أساسا راسخا، وجعل الأخلاق ثمرة يانعة لذلك الأساس، وجعل السلوك أثرا لذلك الإيمان..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
جاء الإسلام بعقيدته النقية، وعباداته السوية، وتشريعاته الحكيمة العادلة، وآدابه وأخلاقه الرفيعة، ليصوغ الإنسان صياغة ربانية، لا جسدا يأكل ويشرب فحسب، بل روحا تسمو، ونفسا تزكو، وقلبا يفيض رحمة، ولسانا لا ينطق إلا صدقا، وجوارح لا تتحرك إلا في طاعة الله، ومحبة الناس، والإحسان إليهم..
وجعل الإسلام مكارم الأخلاق من أعظم مقاصده، فربط بينها وبين الإيمان والعقيدة، إذ الأخلاق في الإسلام تزيل الفوارق المصطنعة بين البشر، وتؤسس لمجتمع تسوده العدالة والمساواة والتراحم، فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، ولا لغني على فقير، بل المعيار الحق هو التقوى والعمل الصالح، قال الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}(الحجرات:13).
فالمجتمع الإسلامي هو مجتمع الأخلاق الفاضلة، يسعى فيه الغني بماله إلى الفقير، ويأخذ فيه القوي بيد الضعيف، ويوقر فيه الصغير الكبير، ويرحم فيه الكبير الصغير، فتسود فيه المحبة والإخاء، ويعمه الأمن والأمان. ولأهمية الأخلاق وعلو شأنها قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا) رواه الترمذي.
وإذا كانت هذه منزلة الأخلاق في ديننا، فكم يؤلم القلب أن نقارنها بواقعنا اليوم! كم هو الفارق كبير، وكم هي الهوة واسعة بين ما دعا إليه الإسلام وما كان عليه الصالحون، وبين ما آل إليه حالنا! إن الواقع في هذا الباب مرير، يبعث على الأسى، ويستصرخ الضمائر الغافلة.
فهل من يقظة توقظ القلوب، وتبعث فينا الحياة من جديد؟!
هل من رجعة صادقة إلى عقيدة التوحيد، نملأ بها قلوبنا، وتظهر في أقوالنا وأعمالنا وحياتنا؟
هل من عودة إلى قيم وآداب الإسلام، نترجمها إلى واقع عملي: برا بآبائنا وأمهاتنا، وإحسانا إلى أهلنا وأولادنا، وصدقا في أقوالنا، وأمانة في معاملاتنا، ورحمة بالضعفاء، وتعاونا على البر والتقوى؟
هل من نية صادقة وعزم أكيد أن نعود في حياتنا وبيوتنا لأخلاق نبينا صلى الله عليه وسلم، فنربي أبناءنا على الصدق والأمانة، ونربي بناتنا على العفاف والحياء، والحجاب والستر، ونجنبهم التبرج والسفور والاختلاط والانحراف؟
إنها دعوة إلى العودة الصادقة إلى ديننا، لا شعار فيها ولا ادعاء، بل التزام حقيقي عملي، يجعل من إيماننا وعقيدتنا وأخلاق نبينا صلى الله عليه وسلم نبراسا لحياتنا، فنكون بحق خير أمة أخرجت للناس..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..

المقالات

