- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العقيدة
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خلق الخلق ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وجعل الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الإيمان باليوم الآخر ميزان الصدق في العقيدة، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي كان أكثر الناس ذكرا للآخرة واستعدادا لها، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]. {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} [النساء: 1]. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ۖ واتقوا الله ۚ إن الله خبير بما تعملون} [الحشر: 18].
أما بعد،
عباد الله: إن من أعظم أركان هذا الدين، وأجل قضايا العقيدة التي يقوم عليها صلاح الفرد والمجتمع، الإيمان باليوم الآخر. ذلك اليوم الذي تتحدد فيه مصائر العباد، ويقوم الناس لرب العالمين، وقد قرن الله تعالى الإيمان به بالإيمان بالله سبحانه في آيات كثيرة، ليبين أن من آمن بالله حقا آمن بلقائه وحسابه وجزائه. قال تعالى: {من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا} [البقرة: 62]. وقال تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولـكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} [سورة البقرة: 177]. فالإيمان باليوم الآخر ليس فكرة مجردة، ولا تصورا ذهنيا، بل هو عقيدة تثمر عملا، وتورث خشية، وتضبط السلوك.
أيها المسلمون: الإيمان باليوم الآخر يشمل الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت: من فتنة القبر ونعيمه أو عذابه، ومن البعث والنشور، والحشر والوقوف بين يدي الله تعالى، والحساب والميزان، والصراط، والجنة والنار. قال تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن} [التغابن: 7]. فالبعث حق، والحساب حق، والجنة حق، والنار حق. وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أصول الإيمان في الحديث المشهور حين سأله جبريل عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) رواه مسلم. فجعل الإيمان باليوم الآخر ركنا لا يتم الإيمان إلا به.
وأهمية الإيمان باليوم الآخر تظهر في كونه يزرع في القلب الرقابة الدائمة، المؤمن يعلم أنه موقوف بين يدي الله تعالى، لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه قول ولا عمل. قال الله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 7-8]. فهذه الآية وحدها كافية لأن تهز القلوب، وتوقظ الضمائر، وتمنع الإنسان من التهاون في صغيرة أو كبيرة، فكم من معصية خفية تركها صاحبها خوفا من حساب الله تعالى، وكم من طاعة خفية أخلص فيها عبد لله تعالى رجاء ما عنده يوم القيامة.
عباد الله: إن الإيمان باليوم الآخر يعالج كثيرا من أمراض القلوب، يعالج حب الدنيا إذا استولى، ويكسر الكبر إذا تمكن، ويخفف الحسد إذا اشتعل؛ لأن المؤمن يعلم أن الدنيا مهما طالت قصيرة، وأن النعيم الحقيقي ليس هنا بل هناك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) رواه البخاري. فالغريب لا يتخذ الدنيا وطنا دائما، وعابر السبيل لا يحمل إلا ما يعينه على الوصول، وهكذا كان فهم الصحابة للآخرة، وهكذا ينبغي أن يكون فهمنا لها أيضا.
أيها المسلمون: ومن أهمية الإيمان باليوم الآخر أنه يرسخ العدل في النفوس، فالمظلوم إذا علم أن له يوما يقتص له فيه؛ صبر واحتسب. والظالم إذا استحضر الوقوف بين يدي الله تعالى، كف يده وخاف عقاب ربه. قال الله تعالى: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون} [إبراهيم: 42]. فكم من إنسان يظن أنه أفلت بظلمه، ولكن يوم القيامة ليس فيه إفلات. قال صلى الله عليه وسلم: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة) رواه مسلم. وهذا الإيمان هو الذي يحفظ المجتمعات من الفساد، ويجعل الناس يراقبون الله تعالى قبل أن يراقبهم القانون والأنظمة البشرية.
إن الإيمان باليوم الآخر يمنح الحياة معنى، فمن عاش بلا إيمان بالآخرة عاش للدنيا وحدها، فإذا ضاقت به أو فشل فيها، ضاق صدره ويئس. أما المؤمن فإن أصابته مصيبة، تذكر أن له أجرا عظيما ينتظره، وإن فاته شيء من الدنيا، علم أن ما عند الله خير وأبقى. قال الله تعالى: {والآخرة خير وأبقى} [الأعلى: 17]. ولذلك كان السلف يربون أنفسهم على ذكر الموت لا تشاؤما، بل استعدادا، لا يأسا بل يقينا.
عباد الله: من أعظم آثار الإيمان باليوم الآخر أنه يدفع إلى التوبة الدائمة، فالمؤمن يعلم أن الموت قد يأتي بغتة، وأن القبر أول منازل الآخرة. قال صلى الله عليه وسلم: (أكثروا ذكر هادم اللذات) رواه الترمذي. ذكر الموت ليس دعوة لترك العمل، بل دعوة لإصلاحه، فمن استحضر أن أجله قريب، سارع إلى التوبة، ورد المظالم، وأحسن إلى الناس، وحرص على الصلاة والصدقة وصلة الرحم، وغيرها من الأعمال الصالحة.
أيها المسلمون: إن من المؤلم حقا أن يضعف استحضار الآخرة في بعض القلوب، فيغلب الاهتمام بالدنيا وحدها، ويشتد التعلق بزخارفها ومتاعها، حتى تنسى النفوس الغاية التي خلقت من أجلها، وهي عبادة الله تعالى والاستعداد للقائه، وقد نبه القرآن الكريم إلى هذا الخلل في ميزان الإنسان حين ينشغل بالعاجل وينسى الآجل، فقال سبحانه: {بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى} [الأعلى: 16–17]. فالإنسان بطبعه قد يميل إلى ما يراه حاضرا قريبا، لكن المؤمن الصادق يربط قلبه بالدار الباقية، ويجعل الدنيا طريقا إلى الآخرة لا غاية ينتهي إليها؛ ولهذا كان القرآن العظيم مليئا بذكر اليوم الآخر، وذكر أهواله، ومواقف الحساب فيه، وأحوال أهل الجنة وأهل النار؛ ترغيبا وترهيبا، وتذكيرا وإنذارا، حتى تبقى القلوب يقظة، والنفوس متأهبة للقاء ربها، فكم من آية تذكر بالبعث بعد الموت، وكم من مشهد يصور قيام الناس للحساب، حتى يعيش المؤمن مع هذه الحقيقة العظمى في كل حين، فيستقيم عمله، ويصلح حاله، ويزهد في المعصية والظلم. قال الله تعالى: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} [المطففين: 6]. أي يوم هذا الذي يقف فيه الخلق كلهم بين يدي ربهم؟ وأي موقف أعظم من هذا الموقف الذي يجتمع فيه الأولون والآخرون، ينتظرون القضاء بينهم بالعدل؟ إنه يوم عظيم تشخص فيه الأبصار، وتضطرب فيه القلوب، ويقف العباد بين يدي رب العالمين للحساب والجزاء، فلا يخفى على الله منهم خافية، ولا يغيب عنه عمل صغير ولا كبير، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم عظم ذلك الموقف فقال: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا) متفق عليه. أي بلا نعال ولا ثياب ولا ختان، في موقف عظيم يشتغل فيه كل إنسان بنفسه، كما قال الله تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} [عبس: 34–37]. فما أحوج القلوب إلى كثرة ذكر الآخرة، فإن ذكرها يوقظ الغافل من غفلته، ويكسر شهوة النفس، ويزهد في الدنيا وزخارفها، ويبعث في القلب خوفا من الله ورجاء في رحمته.
عباد الله: فلنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، ولنزن أعمالنا قبل أن توزن علينا، ولنتزود لذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فالسعيد من تذكر فاستعد، والشقي من غفل فأعرض.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه على نعمة الإيمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد،
أيها المسلمون: تذكروا أن الإيمان باليوم الآخر ركن عظيم من أركان الإيمان، لا يتم إيمان العبد إلا به، وهو يشمل الإيمان بكل ما يكون بعد الموت من بعث وحساب وجزاء، وأن لهذا الإيمان آثارا عظيمة في حياة الفرد والمجتمع؛ فهو يزرع التقوى، ويضبط السلوك، ويحقق العدل، ويمنح الحياة معناها الحقيقي، ويدفع إلى التوبة والعمل الصالح، ويخفف المصائب، ويمنع الظلم، ويجعل المؤمن يعيش بين الخوف والرجاء.
فيا عباد الله: جددوا إيمانكم بالآخرة، وأحيوا في قلوبكم ذكر ذلك اليوم، واستعدوا له بطاعة الله تعالى، واجتناب معاصيه، والإحسان إلى خلقه، فإنما هي أيام معدودة، ثم نلقى الله بما قدمنا.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقالات

