- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
حديثنا اليوم عن فضائل الأعمال الصالحة التي ترفع الدرجات، وتكفر السيئات، وتقرب العبد من مولاه، حديث يذكر الغافل، ويحفز العامل، ويزيد المؤمن يقينا بأن طريق النجاة لا يكون إلا بالعمل الصالح..
إن جماع الخير كله في الأعمال الصالحة، وجماع الشر كله في الأعمال السيئة، وهل وجدتم أحدا شقي بطاعة الله؟ وهل رأيتم أحدا سعد بمعصيته؟ لقد جعل الله الجنة ثوابا لمن أقبل على الخيرات وترك المنكرات، وجعل النار عقابا لمن أصر على المعاصي وأعرض عن الطاعات، قال الله تعالى: {فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى}(الليل:10:5)، وقال سبحانه: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون}(الزخرف: 72)، وقال جل وعلا: { فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى}(النازعات:37:41(41)..
فالأعمال الصالحة هي أسباب كل خير في الدنيا والآخرة، فلا تزهد في أي عمل صالح، ولا تحتقر أي طاعة، فإنك لا تدري أي عمل يثقل موازين حسناتك يوم القيامة، وأي طاعة وعبادة يرفعك الله به درجات، قال تعالى: {فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية}(القارعة:7:6)، وإن القليل من الأعمال إذا داوم عليه العبد صار كثيرا مباركا، قال تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما}(النساء:40)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها، وإن قل) رواه مسلم. فكيف بالأعمال العظيمة الجليلة؟ فطوبى لمن جمع بين أنواع الطاعات والأعمال الصالحة أعلاها وأدناها، فذلك الذي سبقت له من الله الحسنى.
عباد الله: إن طرق الخير كثيرة، وأبواب البر مشرعة مفتوحة، وميادين الأعمال الصالحة واسعة ممتدة، قال الله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين}(آل عمران:133)، وقال سبحانه: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض}(الحديد:21)، وقال جل وعلا: {فاستبقوا الخيرات}(المائدة:48)، وكما أن المسلم مأمور بالحرص على الطاعات ولو كانت صغيرة، فإنه مأمور بالحذر من المعاصي ولو كانت صغيرة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه) رواه أحمد.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن الأعمال الفاضلة ترجع إلى ثلاثة أنواع:
أولها: الأعمال التي يعود نفعها إلى العبد نفسه، كالصلاة والذكر والصيام، وقد ورد في فضلها نصوص كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل: (أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: الصلاة في جوف الليل)، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة، تامة، تامة) رواه الترمذي..
وقال صلى الله عليه وسلم: (على كل سلامى (مفاصل الجسم) أو على عضو من بني آدم في كل يوم صدقة وتجزئ من ذلك كله ركعتا الضحى) رواه ابن خزيمة.
بل قال صلى الله عليه وسلم: (واعلم أنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط بها عنك خطيئة) رواه مسلم.
ومن أعظم الأعمال التي يعود نفعها إلى العبد نفسه قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى) رواه الترمذي. فذكر الله تعالى له فوائد عظيمة وكثيرة، فهو يطمئن القلب، ويرفع الدرجات، ويمحو الله تعالى به السيئات، وقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار من الذكر، وبين لنا أنه يكون في كل الأوقات والأحوال..
ومن أفضل الذكر: أذكار الصباح والمساء، وما يقال عقب الصلوات الخمس من الأذكار المشروعة، فهي جامعة للخيرات، ودافعة للشرور والمكروهات..
فالمسلم مأمور بالمحافظة على هذا النوع الأول من فضائل الأعمال الصالحة، أعمال تعود نفعها إلى نفسه، كالمحافظة على الصلاة في أوقاتها، والإكثار من النوافل، ودوام ذكر الله، وتلاوة القرآن، وصيام التطوع، وقيام الليل، فهي زاد القلوب، ودوام الصلة بالله، وراحة الأرواح، وسبب رفعة الدرجات ومحو السيئات، فليحرص المؤمن على الإكثار منها، وليجعلها راسخة في ليله ونهاره، ملازمة له في سره وعلانيته..
وأما النوع الثاني من فضائل الأعمال الصالحة فهو ما يتعدى نفعه إلى الخلق، فيكون العبد فيه سببا لنشر الخير بينهم، وإدخال السرور على قلوبهم، وقضاء حوائجهم، وبذل المعروف لهم، وهو باب واسع من أبواب البر، يرفع الله به الدرجات، ويجعل صاحبه محبوبا في الأرض والسماء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك) رواه الترمذي.
ومن صور هذا النوع العظيم: الصدقة بالمال، والإحسان بالكلمة الطيبة، والإعانة على قضاء الحاجات، بل حتى إماطة الأذى عن الطريق صدقة، كما جاء في الأحاديث النبوية.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه أن أبواب الخير لا تنحصر في المال، بل تتنوع لتشمل القول المعروف، والإعانة للمغلوب، وصنع المعروف للضعيف، حتى قال له: (ما تريد أن تدع في صاحبك شيئا من الخير، فليدع الناس من أذاه)، ثم أقسم صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، ما من عبد يعمل بخصلة منها يريد بها وجه الله إلا أخذت بيده يوم القيامة حتى تدخله الجنة) رواه ابن حبان.
ومن أعجب الأمثلة على رحمة الله وفضله على هذا النوع من الأعمال الصالحة الذي يتعدى صاحبه إلى الخلق، أن امرأة بغيا غفر الله لها لأنها سقت كلبا اشتد عليه العطش، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (إن امرأة بغيا سقت كلبا فغفر الله لها) رواه البخاري، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (في كل ذات كبد رطبة أجر) رواه البخاري. أي في كل حي: إنسان، أو طير، أو حيوان، تطعمه أو تسقيه أو ترحمه أجر عند الله، فكيف بمن أحسن إلى بني الإنسان، وأدخل السرور على قلوب المؤمنين، وأعانهم في شدائدهم؟
ومن أعظم صور هذا النوع الدعاء للمسلمين، فإنه إحسان يتعدى نفعه إلى الأمة كلها، وخاصة في أوقات النوازل والكربات، قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم}(غافر:60)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة)، وقال صلى الله عليه وسلم: (الدعاء ينفع مما نزل و مما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء) رواه الترمذي، فادع الله لإخوانك أن يصلح الله أحوالهم، وييسر أمورهم، ويرفع عنهم الشدائد، وينصر الإسلام والمسلمين، فإن الدعاء باب عظيم من أبواب الخير، وهو من أعظم ما يتعدى نفعه إلى الخلق.
فالمسلم مأمور بالمحافظة على هذا النوع الثاني من فضائل الأعمال الصالحة، أعمال يتعدى نفعها إلى الناس، كالإحسان بالقول والعمل، والصدقة، والإعانة، وكف الأذى، والدعاء، فهي سبب لانتشار الرحمة، وتوثيق عرى الأخوة، ونيل محبة الله ورضوانه، فليحرص المؤمن على الإكثار منها، وليجعلها سنة ثابتة في حياته، في سره وعلانيته، ليله ونهاره، فهي حفظ وسعادة للمجتمع، وسبب رفعة للأمة، ووسيلة لنيل الدرجات العلى عند الله..
وأما النوع الثالث من أبواب وأنواع الأعمال الصالحة وأبواب الخير فهو كف الشر والأذى والضرر عن الناس، وهو عمل عظيم الأثر، إذ يحفظ المسلم به حسناته، ويصون جوارحه، ويريح الناس من شره، فيكون بذلك سببا لسلامة المجتمع، وانتشار الطمأنينة بين أفراده، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعا، أو تصنع لأخرق (الذي لا يعرف عمل أي شيء) قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك) رواه البخاري.
فكف الأذى عن الناس صدقة، وهو صورة من صور البر والعمل الصالح، إذ قد لا يملك المرء مالا يتصدق به، ولا قوة يجاهد بها، لكن يكفيه أن يحفظ لسانه من الغيبة والسب، ويحفظ يده من البطش والاعتداء، ويحفظ قلبه من الحقد والحسد، فيكون بذلك قد قدم صدقة عظيمة لنفسه ولغيره، قال الله تعالى: {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون}(الجاثية:15)..
إن كف الأذى باب من أبواب الخير، وهو من أيسر الأعمال وأعظمها أجرا، فكم من إنسان نجا من شر بسبب من كف عنه الأذى، وكم من قلب اطمأن حين سلم من ظلم أو غيبة أو تعدي، وكم من بيت عاش في سكينة لأن الجار حفظ حق جاره، وكم من مجتمع ساد فيه الأمن لأن أفراده كفوا أيديهم وألسنتهم عن الشرور.
فالمسلم مأمور بالمحافظة على هذا النوع الثالث من فضائل الأعمال الصالحة، وذلك بكف الشر والأذى والضرر عن الناس، فيحفظ لسانه من الباطل، ويده من الظلم، وقلبه من الغل، وجوارحه من المعاصي، فهي صدقة عظيمة على نفسه، وراحة للناس من شره، وسبب لسلامة المجتمع، ورفعة الدرجات عند الله..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
قوموا بما فرض الله عليكم حق القيام، وأدوا عباداتكم وأعمالكم على هدي وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، ليكون العمل مقبولا عند الله، واحذروا ما يبطل الأعمال أو ينقص الأجور، فإن العبد يعمل الحسنة ثم يتبعها بسيئة فتذهب أثرها أو تنقص ثوابها، فكونوا على حذر من مداخل الشيطان الذي يقعد لابن آدم في كل طريق خير، وتمسكوا بوصية نبيكم صلى الله عليه وسلم في قوله: (ن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها) رواه الحاكم.
واستكثروا من الأعمال الصالحات، من أعمال تعود نفعها إلى العبد نفسه، وأعمال يتعدى خيرها إلى الناس، وأعمال يكون فيها كف الأذى والشر عن الخلق، فهي أبواب ثلاثة عظيمة للبر والخير، وقد قال ربكم عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون}(الحج:77)..
وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56).

المقالات

