- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العقيدة
الخطبة الأولى
الحمد لله العليم الخبير، الذي أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، يعلم السر وأخفى، ويجازي العباد بما كسبوا، عدلا منه وفضلا؛ أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الدنيا دار ابتلاء واختبار، وجعل الآخرة دار حساب وجزاء، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، دل الأمة على طريق النجاة، وحذرها من الغفلة عن يوم المعاد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]. {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ۚ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ۚ إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1]. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ۖ واتقوا الله ۚ إن الله خبير بما تعملون} [الحشر: 18].
أما بعد،
عباد الله: إن من أعظم ما يعين العبد على الثبات والاستقامة أن يحاسب نفسه في هذه الدنيا قبل أن يحاسب بين يدي الله تعالى يوم القيامة؛ فالدنيا ميدان عمل، والآخرة ميدان جزاء، واليوم يستطيع الإنسان أن يصلح ما أفسد، وأن يتدارك ما فاته، وأن يتوب مما اقترف، أما غدا فالحساب دقيق، والوقوف بين يدي الله طويل، والموقف عظيم، كما قال سبحانه: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [البقرة: 281]. فهل أعددنا لذلك اليوم عدته؟ وهل وقفنا مع أنفسنا وقفة صدق ومراجعة؟ إن محاسبة النفس ليست كلمة تردد فحسب، بل هي منهج حياة كان عليه سلف هذه الأمة؛ يزنون أعمالهم بميزان الشرع، ويعرضون أقوالهم وأفعالهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزن عليكم"، وهي كلمات قليلة لكنها تحمل منهجا عظيما في تزكية النفس وتقويمها.
وقد أمرنا الله تعالى بهذه المراجعة والمحاسبة فقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} [الحشر: 18]، فالتفكر في العمل، والنظر في العواقب، واستحضار الوقوف بين يدي الله تعالى، كل ذلك يدفع العبد إلى تصحيح مساره ومراجعة تقصيره؛ فمن كان في طاعة فليحمد الله وليزدد، ومن كان في غفلة أو تقصير فليبادر إلى التوبة والإنابة قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حال العاقل الذي يراجع نفسه فقال: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) رواه الترمذي، فالعاقل من يحاسب نفسه اليوم قبل أن يقف غدا للحساب بين يدي رب العالمين.
أيها المسلمون: إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة صلاته، لأنها عمود الدين، وأعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، ولأنها الصلة بين العبد وربه، وعنوان صدق الإيمان والاستقامة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر) رواه الترمذي. فإذا كانت الصلاة هي أول ما ينظر فيه من أعمال العبد، فكيف يليق بمؤمن أن يضيعها، أو يتهاون بها، أو يؤخرها عن وقتها، أو يؤديها بلا خشوع ولا حضور قلب؟ كيف حال صلاتنا عباد الله؟ هل نؤديها في أوقاتها كما أمر الله؟ هل نحافظ عليها جماعة في بيوت الله؟ هل نقف فيها بين يدي الله بقلوب حاضرة خاشعة، نستشعر أننا نناجي فيها رب العالمين؟ من أراد النجاة يوم القيامة فليبدأ بإصلاح صلاته، فإنها عنوان الإيمان، وأساس الاستقامة، وقد قال الله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238]، وقال سبحانه: {قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 1–2]. فمن أصلح صلاته أصلح الله سائر عمله، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع، فليحاسب كل واحد منا نفسه في هذا الباب العظيم قبل أن يقف بين يدي الله تعالى فيسأل عن هذه الفريضة العظيمة سؤالا لا مهرب منه.
أيها المسلمون: ومن أعظم مجالات محاسبة النفس النظر في اللسان؛ فإن أكثر ما يهلك العبد كلمة قالها بلا حساب، أو عبارة خرجت منه بغير تفكر، فكم من غيبة وقعت، وكم من نميمة انتشرت، وكم من استهزاء أو كذب أو أذى جرى به اللسان، حتى صار سببا في فساد القلوب وقطيعة الأرحام وضياع الحقوق. وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطورة هذا الأمر فقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) رواه البخاري، فجعل علامة كمال الإيمان أن يزن الإنسان كلامه قبل أن يتكلم، فإن كان خيرا قاله، وإن كان غير ذلك أمسك عنه. وقد حذر الله تعالى من إطلاق اللسان بلا مراقبة فقال سبحانه: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18]، فكل كلمة محسوبة، وكل لفظ مكتوب، وسيجد العبد أثره يوم القيامة. ولهذا كانت محاسبة النفس على الكلام من أعظم ما يحفظ الدين ويصون العرض ويقي العبد تبعات عظيمة يوم القيامة، فالعاقل من حفظ لسانه، ووزن كلامه، وجعل قوله فيما يرضي الله وينفع الناس، فإن اللسان صغير في حجمه، عظيم في أثره، ورب كلمة رفعت صاحبها عند الله، ورب كلمة أوردته موارد الهلاك.
أيها المؤمنون: حاسبوا أنفسكم على أموالكم، من أين اكتسبتموها وفيم أنفقتموها، فإن العبد مسؤول عن ماله سؤالا خاصا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع…) رواه الترمذي. ومن ذلك سؤاله عن ماله. فليتأمل كل واحد منا في معاملاته، في تجارته، في إنفاقه، هل فيها شبهة؟ هل فيها ظلم؟ فإن الحقوق يوم القيامة عظيمة، ولا درهم هناك ولا دينار، وإنما حسنات وسيئات كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم.
عباد الله: إن من أعظم ما يعين على محاسبة النفس تذكر قرب الأجل، فكم من إنسان خرج من بيته ولم يعد، وكم من صحيح أصبح ولم يمس، وكم من شاب ظن أن أمامه عمرا طويلا فإذا به يفاجأ بالموت. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من ذكر هادم اللذات) رواه الترمذي. فذكر الموت يوقظ القلب من غفلته، ويدفعه إلى تصحيح الطريق. وإن محاسبة النفس تشمل النظر في النيات، فكم من عمل ظاهره الصلاح، وباطنه طلب السمعة أو المدح أو الرياء! وإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا صوابا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) رواه البخاري. فليفتش كل منا في قلبه، وليجدد نيته، وليطهر عمله من شوائب الرياء.
أيها المؤمنون: إن من صور المحاسبة أن يسأل العبد نفسه في نهاية كل يوم: ماذا قدمت لديني؟ ماذا قدمت لآخرتي؟ هل أصلحت خطأ؟ هل اعتذرت عن تقصير؟ هل رددت مظلمة؟ فإن من حاسب نفسه في الدنيا خف حسابه في الآخرة، ومن أهملها هنا شق عليه الحساب هناك. وإن التوبة الصادقة هي ثمرة محاسبة النفس، فإذا أدرك العبد تقصيره، بادر إلى الاستغفار، وعزم على عدم العودة، وأصلح ما استطاع من أخطائه. قال تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} [النور: 31]. فالفلاح كل الفلاح في الرجوع إلى الله، وعدم الإصرار على الذنب؛ فإن الحياة قصيرة، والفرص محدودة، والسعيد من اغتنم أيامه، واستدرك تقصيره، وجعل لنفسه وردا من المحاسبة اليومية، يراجع فيها صلاته، وأخلاقه، ومعاملاته، وعلاقته بربه وبالناس.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد،
فيا عباد الله: إن محاسبة النفس في الدنيا ضرورة لكل مؤمن يريد النجاة، وإن الله أمرنا بالنظر فيما قدمنا للآخرة، وإن أول ما يحاسب عليه العبد صلاته، والعبد مسؤول عن لسانه وماله وعمره ونيته، وإن ذكر الموت يعين على الاستقامة، وإن التوبة الصادقة باب النجاة؛ فاتقوا الله عباد الله، وراجعوا أنفسكم قبل أن تفاجؤوا بيوم لا ينفع فيه الندم، واجعلوا لأنفسكم نصيبا من التفكر والمراجعة، وأصلحوا ما بينكم وبين الله، يكفكم ما بينكم وبين الناس، وأكثروا من الاستغفار، وأدوا الحقوق إلى أهلها، واستعدوا ليوم العرض الأكبر.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقالات

