- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:اقرأ في إسلام ويب
انقضى رمضان، بعد أن تزينت به منائرنا، وحيت به قلوبنا، وامتلأت ببركاته وأنواره ساحاتنا ومساجدنا.. ذهب رمضان بعد أن قسم الناس إلى ظالم لنفسه، ومقتصد وسابق بالخيرات بإذن الله.
إن نعمة الله علينا بتبليغنا رمضان وإتمام الله نعمته علينا بإكماله هي منحة إلهية لا تقدر بثمن، فليست عبادتنا في رمضان مجرد ذكرى عابرة، أو موسم وانقضى، بل هي "إعلان نصر" للروح على المادة، وللعزيمة على الشهوة.
نعم لقد ودعنا بالأمس القريب ليالي القيام، وطوينا سجلات الصيام، وفرحنا في العيد بفطرنا، كما سنفرح إن شاء الله عند لقاء الله بصومنا، كما في الحديث الصادق: (للصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه)أخرجه البخاري ومسلم.. فوقفنا في العيد في ساحة العطاء، نستقبل عطايا الكريم بقلوب مؤمنة، ونشكر الله على كمال العدة، وتمام المنة، ونكبره على ما هدانا، مصداقا لقوله تعالى: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون).[البقرة: 185]
لقد مضى رمضان.. بيد أن انقضاء الأزمان الفاضلة ليس إعلانا بانتهاء العبادة، بل هو اختبار لصدق العبودية؛ فالمؤمن الذي تربى في مدرسة رمضان لا يخلع لباس التقوى مع غروب شمس آخره، بل يستصحب أنواره لتضيء له عتمة شهور العام.
أولا: الثبات على العبادات
لقد اجتمعت كلمة الناس على أن الإجابة على سؤال: (ماذا بعد رمضان؟) هي: الاستقامة.
ففي حديث سفيان بن عبد الله الثقفي، رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال: (قل: آمنت بالله، ثم استقم)[رواه مسلم].
وقال سبحانه لنبيه: {فاستقم كما أمرت}[هود:112]، وقال: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}[فصلت: 30].
ويقول الله عز وجل: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}. في هذه الآية الكريمة حسم لجدل التوقيت في العبادة؛ فالموت هو الغاية الوحيدة للانقطاع.
فإذا كان الله تبارك وتعالى قد من عليك بصيام رمضان، فلا تترك الصيام بعد رمضان.
وإن كان الله تبارك وتعالى من عليك بالقيام في رمضان، فلا تقطعه بعد رمضان.
وإذا كان الله تبارك وتعالى من عليك بقراءة القرآن فيه، فلا تهجر القرآن بعد رمضان.
وكذلك كل ما كنت تفعله فيه من الطاعات والعبادات لا تنسلخ منها بعد رمضان.. فإن رب رمضان هو رب شوال وهو رب الشهور كلها.. وإنما يفعل ذلك من كان لا يعبد الله إلا في المواسم، فلا تكن رمضانيا ولكن كن ربانيا.
ثانيا: من علامات القبول دوام الموصول
إن انتهاء رمضان والفرح بالعيد لا يعني نسيان العهد، بل هو فرح بتمام النعمة وبدء مرحلة جديدة من الطاعة والعبودية.. لا يتوقف المؤمن عن العبادة ما دامت تجري فيه الأنفاس. وقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن عمل النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (كان عمله ديمة)رواه البخاري. وقال: (أحب الأعمال إلى الله أدومه إن قل)متفق عليه.
وقد كان سلفنا الصالح أشد الناس حذرا من الفتور بعد العمل، وأكثرهم تحذيرا من موسمية الطاعة.. سئل بشر الحافي رحمه الله عن قوم يتعبدون في رمضان ويجتهدون، فإذا انقضى رمضان تركوا، فقال: "بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان، إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها".
ويقول الحسن البصري رحمه الله: "إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلا دون الموت" ثم تلا قوله سبحانه: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}[الحجر: 99].
فالمداومة على العمل الصالح هي البرهان العملي على أن الصيام قد آتى ثماره في تزكية النفس وتهذيب السلوك. وقد ذكر ابن رجب وغيره أن من علامات القبول الحسنة بعد الحسنة، والطاعة بعد الطاعة.
ثالثا: دستور الاستمرارية
لا يطالب العبد بعد رمضان بأن يبقى على ذات الوتيرة المكثفة؛ فإن ما تيسر في رمضان من أسباب الطاعة والإعانة عليها ليس في غيره، ولكنه يطالب بألا يقطع حبل الوصل. إن ركعتين في جوف الليل، وصيام أيام البيض، ووردا يوميا من القرآن والذكر، كفيلة بأن تبقي جذوة الإيمان متقدة، وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان أحب العمل إلى رسول الله ﷺ ما دام عليه صاحبه وإن قل".
خاتمة: كونوا ربانيين
كما قال تعالى: (ولكن كونوا ربانيين)[آل عمران:79)، فإنها كلمة تحمل في طياتها معاني التربية والدوام والاتصال.
يقول الأستاذ محمود وتد في هذا المعنى: "الرباني هو الذي يتربى على يد القرآن، ويربي نفسه على الثبات، ويربي يومه على الطاعة".
فالرباني ليس ابن موسم، بل ابن وجهة {وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ۖ وما أنا من المشركين} [الأنعام:79].
لا يعبد الرباني الله في ثلاثين يوما، ثم يعود إلى غفلة مريحة، إنما يعبد ربه في رمضان وبعد رمضان. وفي كل آن، قلبه لا يعرف التقويم، بل يعرف القبلة.
ويقول ما معناه: إن "رمضان مدرسة، وليس شهادة تخرج. هو معسكر تدريب روحي، وليس نهاية المعركة. فيه نتعلم الصبر، لكي نصبر بعده.. فيه نتذوق لذة القيام، لنقيم عليها في سكون الليالي التالية.. فيه نضبط ألسنتنا، فلا نطلقها بعد العيد بلا زمام..
فالرباني يعرف أن الطريق إلى الله ليس مهرجانا سنويا، بل رحلة عمر.
إن النداء الخالد الذي يجب أن يتردد في جنبات الروح هو: "كن ربانيا لا رمضانيا". كن مع الله في كل حال، واجعل من استقامتك بعد رمضان شكرا عمليا على توفيقه لك فيه. فإذا كان رمضان قد أشعل فيك جذوة العبادة، فحافظ عليها من أن تطفئها رياح الشهوات بعده؛ فالعبرة بصدق الوجهة، ودوام المسير، والوفاء بالعهد حتى نلقى الله وهو راض عنا.

المقالات

