دروس من قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك

0 0

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

السيرة النبوية ليست مجرد أحداث تاريخية، بل هي منهج حياة يضيء لنا الطريق، ويجسد الإسلام واقعا حيا في القيم والأخلاق والعمل.. وفي هذه الخطبة نقف مع موقف في غزوة من غزوات نبينا صلى الله عليه وسلم وهي غزوة تبوك، تلك الغزوة التي سميت بالعسرة لشدة الحر وقلة الزاد والماء، حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "خرجنا في قيظ شديد فأصابنا عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه (أمعاءه) فيشربه"، ومع ذلك فقد أرست هذه الغزوة دعائم الدولة الإسلامية، ومهدت لفتوح الشام، وأسقطت هيبة الروم أمام المسلمين..
ومن بين أحداث هذه الغزوة برز موقف ثلاثة من الصحابة الكرام: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية رضي الله عنهم، الذين تخلفوا عن الغزوة بلا عذر ولا نفاق، وإنما ضعفا وتسويفا، فابتلاهم الله حتى تاب عليهم بصدقهم وصبرهم، فصاروا قدوة في التوبة والثبات..فتعالوا بنا سريعا مع أحداثها لنستلهم منها دروسا في الصدق، والثبات على الحق، ويرويها لنا كعب بن مالك رضي الله عنه أحد هؤلاء الثلاثة..

يقول كعب: (والله ما اجتمعت عندي دابتان مهيأتان للسفر من قبل إلا في تبوك، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها (أوهم أنه يريد غيرها)، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، وكان وقت هذه الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فبدأت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أفعل، فأقول في نفسي: أنا قادر على أن ألحق بهم، وسأتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم، فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي الأمر كذلك حتى تباعدت المسافة فيما بيني وبينهم، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت! فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج النبي أحزنني أني لا أرى إلا رجلا متهما بالنفاق، أو رجلا ممن عذر الله من أصحاب الأعذار كالضعفاء والمرضى والفقراء الذين لم يجدوا ما يخرجون به، ولم يذكرني رسول الله حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم: ما فعل كعب؟ فقال رجل: يا رسول الله، حبسه إعجابه بنفسه وبعيشته، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ومضى بجيشه حتى انتهت الغزوة..

قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى المدينة راجعا حضرني همي، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟! واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت وعزمت على ألا أقول إلا الصدق.
وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون عن الذهاب للجهاد معه، فأخذوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم النبي عذرهم على ظاهر قولهم، وترك حقيقة أمرهم وما يخفونه لله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم من يظهر عليه الغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد اشتريت وأعددت راحلتك للخروج؟ فقلت: بلى، ولقد أعطيت فصاحة وقوة كلام، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تغضب علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله في أمرك، فقمت.
ولما صدق كعب رضي الله عنه في كلامه، ثار عليه بعض قومه يلومونه ويقولون: لو اكتفيت باستغفار النبي صلى الله عليه وسلم لك! ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلام الثلاثة من بين من تخلف عنه، ثم جاءت الفتن والاختبارات..

ويتبع كعب الحديث فيقول: اجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا، فكنت أقوى منهما صبرا، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ فمشيت إلى أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته، فسكت، فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت..

وبينما أنا أمشي في سوق المدينة جاءني رجل من الشام يحمل كتابا من ملك غسان النصراني، فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك (أي: النبي) قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، فالحق بنا نواسك (يحرضه ويشجعه ويغريه على ترك النبي والمدينة)، فقال كعب: لما قرأتها قلت وهذا أيضا من البلاء، فألقيت بهذه الرسالة في الفرن الذي يخبز فيه فأحرقتها..

ثم مضت أربعون ليلة من الخمسين، فجاءني رسول من النبي صلى الله عليه وسلم يأمرني باعتزال زوجتي، ففعلت، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، واشتد الكرب حتى ضاقت علي الأرض بما رحبت.
فلبثت بعد ذلك عشر ليال، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت رجل ينادي بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر، قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، خلعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقابلني الناس يهنوني بالتوبة، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني..

ثم يقول كعب رضي الله عنه: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أتصدق بمالي كله في سبيل الله، قال صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك (تصدق بالبعض فقط) فهو خير لك.. فقلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت.. فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا.. وقد قال الله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم}(التوبة:118)) رواه البخاري.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، عباد الله:

إن في قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم دروسا عظيمة وفوائد جليلة، منها:
التبشير والتهنئة عند حصول النعمة أو اندفاع الكربة، وسجود الشكر عند الفرج، وشكر النعم يكون بالقول والعمل والصدقة مع الاقتصاد في الإنفاق..
ومنها: قوة الإيمان والثبات أمام الفتن، كما فعل كعب حين أحرق رسالة ملك غسان ولم يلتفت لما فيها..
ومنها: خطر المعصية وأنها تهلك صاحبها إن لم يتداركه الله برحمته..
ومنها: الحكم بالظاهر وقبول الأعذار، ومشروعية هجر العاصي ـ عند أمن الفتنة على من يهجر ـ إذا كان فيه مصلحة لرجوعه، وإلا فلا، فالقوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ الضعيف في الدين، وأما النهي عن الهجر فوق ثلاث فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيا..
ومن دروسها الهامة: أهمية الصدق وعاقبته الحميدة، فقد أنجى الله الثلاثة بصدقهم.
قال الحسن البصري: "يا سبحان الله، ما أكل هؤلاء الثلاثة مالا حراما، ولا سفكوا دما حراما، ولا أفسدوا في الأرض، أصابهم ما سمعتم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فيكف بمن يواقع الفواحش والكبائر؟!"..

وختاما، قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ليست مجرد حدث مضى، بل هي درس خالد من دروس سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم للأمة كلها يعلمها: أن الصدق هو سبيل النجاة، والثبات على الدين أمام الفتن والشهوات، وأن من صدق مع الله أنجاه الله ولو بعد حين، ومن كذب هلك ولو بدا أنه نجا.. لقد ضاقت الأرض على هؤلاء الثلاثة بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، فلما تابوا وصدقوا مع الله تاب الله عليهم..
ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى هذا الدرس العظيم، أن نتمسك بالصدق في أقوالنا وأعمالنا، وأن نوقن أن العاقبة للمتقين، وأن أفضل أيام العبد يوم يرجع ويتوب إلى الله..
فليكن شعارنا في حياتنا: الصدق مع الله، والثبات على الدين مهما كثرت الفتن والشهوات، حتى نلقى الله وهو راض عنا..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة