أبوابُ الخير طريقٌ للنجاة

0 0

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

فتح الله عز وجل لعباده أبواب الخير، ورغبهم في المسارعة إليها، والتنافس في ميادينها، وضاعف لهم الأجور، فما أعظم فضله إذ نوع لهم طرق وأبواب الطاعات، وجعلها متعددة متيسرة، حتى إذا عجز المرء عن باب منها وجد أبوابا أخرى تنتظره، قال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين}(آل عمران:133)، وقال سبحانه: {فاستبقوا الخيرات}(البقرة:148)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا) رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) رواه الحاكم.
والحديث عن أبواب الخير حديث يشرح الصدر، ويوقظ الغافل، ويشحذ الهمم، فما أجمل أن يعيش المسلم في هذه الدنيا وهو يتقلب بين أبواب الخير، يطرق هذا الباب مرة، ويغتنم ذاك الباب أخرى، حتى يلقى الله وقد امتلأ رصيده بالحسنات، وتضاعفت له الأجور، وارتفعت له الدرجات..

وقد أرشدنا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أبواب الخير الكثيرة، وحثنا على المسارعة إليها، وجعل ذلك طريقا إلى رضوان الله وجنته..
ومن أعظم تلك الأبواب التي دلنا عليها معلم الخير صلى الله عليه وسلم: تفريج كربات المسلمين، وإغاثة الملهوفين، ومواساة المكروبين، فقال صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) رواه مسلم.
فانظروا إلى هذا الجزاء العظيم، كيف يجعل الله تفريجك لكربة أخيك سببا لتفريج كربك يوم القيامة، يوم الهول العظيم، يوم الفزع الأكبر، يوم تدنو الشمس من رؤوس العباد، فيغرق الناس في عرقهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يبلغ عرقه كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يلجمه إلجاما.. ذلك اليوم الذي يفر فيه المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وزوجته وأولاده، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، يوم يساق الناس إلى المحشر حفاة عراة، يوم لا ينفع مال ولا جاه ولا سلطان، وإنما ينفعك عملك الصالح، وينفعك ما قدمت من خير للناس، وما فرجت من كرباتهم، وما أسديت لهم من معروف..
فإذا أردت أن يفرج الله عنك كربات الآخرة، فابذل جهدك في تفريج كربات الدنيا عن عباد الله، فإن الجزاء من جنس العمل، وما أعظمها من تجارة رابحة مع الله، تجارة لا تبور، تجارة أرباحها مضاعفة وأثرها باق إلى يوم الدين، تجارة يفرح بها المؤمن حين يقف بين يدي ربه في ذلك اليوم العصيب، فيجد أن الله قد لطف به، وخفف عنه، وأكرمه بما قدم من معروف، وما أسدى من خير، وما نفس عن إخوانه من كربات، فهنيئا لمن جعل حياته جسرا للخير، وسبيلا للتفريج عن الناس..

أيها المؤمنون: ومن أبواب الخير التي أرشدنا إليها نبينا صلى الله عليه وسلم: ستر المسلمين، وذلك بقوله: (ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة) رواه مسلم.
إن الإسلام دين الأخلاق الحسنة، دين الطهر والعفاف، دين يحفظ الأعراض ويصون الكرامات، ويأمر بالستر والحياء، وينهى أشد النهي عن كشف العورات أو تتبع الزلات، ويحذر كل التحذير من فضح الناس أو التشهير بهم، قال صلى الله عليه وسلم محذرا: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) رواه أبو داود.
فانظروا ـ رحمكم الله ـ كيف جعل الإسلام ستر المسلم سببا لستر الله له في الدنيا والآخرة، وكيف جعل تتبع العورات سببا للفضيحة والخزي، حتى ولو كان المرء في بيته بين جدرانه..
إن المجتمع المسلم مجتمع طاهر عفيف، لا ترفع فيه المعاصي شعارا، ولا تنشر فيه الفواحش جهارا، بل إذا وقع أحد في خطأ أو معصية اجتهد الناس في ستره، ونصحه، وتوجيهه بالكلمة الطيبة وبالرفق واللين، لا بالفضيحة والتشهير، ولا بالانتقاص والتعيير.. فمن حق أخيك المسلم عليك إذا زل ووقع أن تأخذ بيده، لا أن تهيل عليه التراب، وأن تستره وتدعوه إلى التوبة، لا أن تفضحه وتزيده بعدا عن الله، فسترك له من أبواب الخير العظيمة، وربما يكون سببا في رجوعه إلى ربه وابتعاده عن المعاصي..
فاستروا أصحاب الزلات، وأحسنوا نصحهم، وكونوا عونا لهم على الطاعة، والجزاء من جنس العمل، فمن ستر مسلما ستره الله، ومن فضح مسلما فضحه الله، وما أعظم أن يلقاك ربك يوم القيامة وقد ستر عليك ذنوبك، وغفر لك خطاياك، وأكرمك بستره ورحمته، {إن ربك واسع المغفرة}(النجم:2)..

ومن أبواب الخير العظيمة التي دلنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إعانة الناس، والسعي في قضاء حوائجهم، والتيسير على المعسرين، ومساعدة المحتاجين، قال صلى الله عليه وسلم: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم.
وهذا الباب من أبواب الخير يشبه في أثره تفريج الكربات وستر العورات، لأن الجزاء من جنس العمل، فمن كان في عون إخوانه وسعى في قضاء حوائجهم كان الله في عونه وقضى له حوائجه..
وقد كان سلفنا الصالح أحرص الناس على هذا الباب وغيره من أبواب الخير، فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعاهد الأرامل ويقضي لهن حوائجهن، فرآه طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه ـ أحد العشرة المبشرين بالجنة ـ يتردد على بيت في الليل، فدخل طلحة بالنهار فرأى امرأة عجوزا عمياء مقعدة، فقال: ما يفعل هذا الرجل عندك؟ فقالت: إنه منذ كذا وكذا يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى..
وكان أحد السلف يدور على عجائز الحي يقضي لهن حوائجهن من السوق، لا يبتغي بذلك إلا وجه الله..
وأرسل الحسن البصري جماعة من أصحابه في قضاء حاجة لأخ لهم، وقال لهم: مروا بثابت البناني وكان في المسجد فخذوه معكم، فمروا بثابت فاعتذر وقال: أنا معتكف، فلما بلغوا الحسن البصري قال لهم: قولوا له: أما علمت أن سعيك في حاجة أخيك خير لك من ذلك؟ فذهبوا إلى ثابت فأخبروه بقول الحسن فخرج معهم..

هكذا كانوا يرون أن قضاء حوائج الناس من أعظم القربات وأفضل الطاعات، قال صلى الله عليه وسلم: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينا، أو يطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد -يعني: مسجد المدينة- شهرا، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام) رواه الطبراني.
إن إعانة الناس باب عظيم من أبواب الخير، وهو دليل على صدق الإيمان، وحسن الخلق، وسبيل لمحبة الله ورضوانه، وسبب لتيسير الله لك في حياتك ومعاشك، قال تعالى: {إن الله يحب المحسنين}(البقرة:195)، فمن أراد أن يكون الله في عونه، فليكن في عون الناس، ومن أراد أن ييسر الله عليه في الدنيا والآخرة، فلييسر على المعسرين، وليبذل المعروف، وليقض الحوائج، فإنها تجارة رابحة مع الله لا تبور..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:

تحدثنا عن ثلاثة أبواب عظيمة من أبواب الخير: تفريج الكربات عن المسلمين، وستر عوراتهم وزلاتهم، والسعي في إعانتهم وقضاء حوائجهم، وكلها أبواب مباركة دلنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلها طريقا إلى رحمة الله ورضوانه، وجزاءها من جنس العمل، فمن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن كان في عون أخيه كان الله في عونه..
وهذه الأبواب ليست إلا نماذج يسيرة من أبواب الخير الكثيرة التي فتحها الله لعباده وجعلها سببا من أسباب النجاة والفوز يوم القيامة، فمنها: بر الوالدين، وصلة الأرحام، والصدقة والإحسان إلى الفقراء والمساكين واليتامى، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، والدعاء للمسلمين، والإحسان إلى الجار، والرفق بالحيوان، وغير ذلك من أبواب الخير التي لا تحصى، والتي كلما طرق المسلم بابا منها وجد فيه قربا من الله، ورفعة في الدرجات، وزيادة في الحسنات..

وختاما: أوصيكم ونفسي بالحرص على أبواب الخير، والمسارعة إليها قبل أن يحال بيننا وبينها، فإن العمر قصير، والأجل قريب، وما هي إلا أيام معدودة ثم نعرض على الله، فاغتنموا حياتكم قبل موتكم، وصحتكم قبل سقمكم، وغناكم قبل فقركم، وشبابكم قبل هرمكم، وكونوا من السابقين إلى الخيرات، قال الله تعالى: {فاستبقوا الخيرات}(البقرة148).
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة