- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:أقليات وقضايا
أجمع الفصحاء على أن القرآن مثل الخطاب الأفصح للغة العرب، وكان فيه من البيان، والبلاغة، ما جعل بلغاء العربية يعترفون بسيادته، وجمعه لأبلغ ما وصل إليه اللسان العربي المبين.
ولذلك فإن الجهل ببلاغة القرآن لا يعد جهلا بلون من ألوان البيان، ولا قصورا في معرفة فن من فنون اللغة وحسب، بل هو انقطاع عن إدراك سر عظيم، قامت عليه حجة هذا الكتاب المبين والخالد.
مع أننا ندرك أن القرآن لم يأت ليكون نصا بليغا فحسب، بل جاء ليكون هدى للناس، وإرشادا للعالمين، مصطحبا الذروة التي تنتهي عندها البلاغة، ولا تنال.
لقد تنبه علماء منذ القرون الأولى إلى أن وجه الإعجاز الأظهر في القرآن هو بلاغته، فجعلوا هذا الوجه ميدان التحدي العام للبشر، عربهم وعجمهم. ولم يكن هذا الاختيار اعتباطا، بل لأن القرآن نزل في أمة بلغت الغاية في الفصاحة، حتى صارت اللغة عندهم سجية، والبيان طبعا، والنقد ملكة راسخة، فإذا عجز هؤلاء — مع اجتماع ملكتي الفطرة اللغوية، والعلم الصناعي — عن معارضته، كان ذلك أدل على أن الأمر خارج عن طوق البشر.
غير أن المفارقة التي تحدث عنها كثير من علمائنا أنهم مع جهدهم وبذلهم لم يستطيعوا الإحاطة بسر هذا الإعجاز، بل احتجوا بعجز السابقين، وأقر بعضهم بأن الإعجاز واقع غير معقول السبب ،وليس في هذا تناقض، بل هو منتهى الدقة؛ إذ إن الشيء قد يدرك أثره ويعجز عن تفسير كنهه، فنحن نرى الضوء، وننتفع به، ولكن لا نحيط بسر تكوينه إحاطة تامة.
تحدث كثير من علماء البلاغة أن الأمر ليس في رد الإعجاز إلى أمر إلهي يمنع الناس من المعارضة فقط، بل في أن محاولات المعارضة قد وقعت فعلا، لكنها انتهت إلى الفشل والافتضاح.
وهنا تتجلى نقطة دقيقة: أن العجز لم يكن سلبيا، بل كان نتيجة تجربة ومواجهة، حيث حاول البعض أن يقلد فواصل القرآن، وسجعه، فبان ضعفهم، لأنهم قلدوا الألفاظ ولم يصلوا للجوهر.
وهذا يفضي إلى حقيقة جوهرية: أن بلاغة القرآن ليست شكلا صوتيا، ولا تنميقا لفظيا، بل هي نظام كلي تتآلف فيه الألفاظ والمعاني، وتتساند فيه التراكيب والدلالات، في وحدة عضوية لا يمكن تفكيكها دون أن يضيع سرها.
ولهذا قال بعض البلغاء: إن القرآن خارج عن أجناس كلام العرب، لا يدخل في شعرهم، ولا في نثرهم، ولا في خطبهم، مع أنه من حروفهم وكلماتهم.
وهذا وحده كاف لإدهاش العقل، لأنه جمع بين المألوف في المادة، والمستحيل في الصورة.
ومن أبدع ما قيل في هذا المضمار تلك الشهادات الحية التي صدرت عن معاصري نزول القرآن، وهي شهادات قيمتها ليست من جهة النقل فحسب، بل من جهة دلالتها النفسية والذوقية.
فالوليد بن المغيرة لم يتحدث عن قواعد بلاغية، بل عن حلاوة، وطلاوة، وعلو، وأصل مكين، وفرع مثمر، وهي ألفاظ تنتمي إلى الذوق المباشر، لا إلى التحليل النظري، وكذلك الأعرابي الذي سجد لسماع آية من القرآن، وهو يومئذ مشرك ولم يكن يملك أدوات النقد، ولكنه امتلك حسا فطريا أدرك به أن هذا الكلام ليس من جنس كلام البشر.
وهنا يتجلى بعد مهم: وهو أن إدراك بلاغة القرآن ليس حكرا على المتخصصين، وإن كان تعمقها يحتاج إلى علم، إلا أن أصلها يدرك بالذوق السليم؛ ولذلك كان أثر القرآن في العامة عظيما، كما كان في الخاصة، بل ربما كان في بعض العامة أصفى؛ لأنهم يتلقونه بقلوب غير مثقلة بالتكلف.
ومن أعمق ما يلفت النظر في هذه البلاغة ، تلك الرهبة التي كانت تعتري من يحاول معارضة القرآن، إنها ليست رهبة عجز فني فقط، بل هي هيبة حضور، كأن المتكلم يواجه كلاما يحمل في طياته سلطانا معنويا يثنيه عن المضي، وقد حكي عن بعض البلغاء أنه لما هم بالمعارضة، عرض له من الخشية ما حمله على التوبة، وهذه الظاهرة لا نجد لها نظيرا في أي نص أدبي آخر، مهما بلغ من الروعة.
و يتكشف للمتابع لهذا الموضوع انحرافات خطيرة وقعت بسبب سوء فهم الإعجاز، حيث ظن بعض المتأخرين من البابيين، والبهائيين وغيرهم أنهم قادرون على الإتيان بمثل القرآن، فادعى بعضهم النبوة، بل الألوهية، وكتبوا نصوصا حاولوا أن يكسوها ثوب القداسة، لكنها سرعان ما سقطت؛ لأن البلاغة لا تزور، والصدق لا يصطنع، بل إن أتباع بعض هؤلاء أخفوا كتبهم، خشية أن تنكشف ركاكتها، في مفارقة تكشف الفرق بين نور يعلن نفسه، وظلمة تخشى الظهور.
ومن الناحية النظرية، ندرك أن البلاغة يمكن أن تعرف تعريفا بسيطا فيقال هي : "إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ "وهذا التعريف، إذا تأملناه، يكشف لماذا كانت بلاغة القرآن معجزة؛ لأنه لا يكتفي بأن يفهمك، بل يجعلك تتأثر، ولا يكتفي بأن يعبر، بل يحول؛ ولهذا لم يكن إعجاز القرآن مقصورا على العرب، بل هو حجة على العجم أيضا، لا من جهة اللفظ وحده، بل من جهة بلوغه أقصى درجات البلاغة الممكنة في أي لغة، فإذا عجز أهل العربية — وهم أهل هذا الفن — عن معارضته، كان عجز غيرهم أولى.
إن ضعف الصلة بهذا النص العظيم، أفقدتنا الذوق الذي يدرك البلاغة، كما فقدنا الصبر الذي يتأملها، فصرنا نقرأ القرآن قراءة عابرة، لا قراءة تذوق وتدبر، ولو استعدنا شيئا من هذا الحس، لأدركنا أن الإعجاز لا يزال قائما، وأن التحدي لم ينته.
إن البلاغة القرآنية ليست مسألة نظرية تدرس فحسب، بل هي تجربة تعاش، ومن أراد أن يقترب من سرها، فليقرأ بقلب حاضر، ولسان متأن، وعقل متجرد، فإن في كل آية إشراقة، وفي كل تركيب سرا، وفي كل نظم آية من آيات الإعجاز.
وحينئذ فقط، يدرك الإنسان معنى أن يكون هذا الكتاب حجة الله الباقية، وبرهانه الذي لا يغلب، وكلامه الذي إذا سمع… خضع له البيان، وسكتت أمامه البلاغة.

المقالات

