- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:تاريخ و حضارة
ليست المعرفة في ميزان الإسلام مجرد تراكم للمعلومات، ولا القيم مجرد شعارات ترفع في مواسم الخطاب، بل هما جناحان لا يستقيم طيران الإنسان بدونهما؛ فإذا انفصل العلم عن القيم صار وبالا على صاحبه وعلى الناس، وإذا تجردت القيم من المعرفة غدت عاطفة ساذجة لا تهدي إلى سواء السبيل. ومن هنا جاء البناء الشرعي متكاملا، يربط بين نور العلم وهداية القيم، ليصنع إنسانا راشدا، بصيرا بواقعه، مستقيما في سلوكه.
لقد قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة في مواضع كثيرة، فجعل العلم سبيلا إلى الخشية، لا مجرد وسيلة إلى الترف العقلي، قال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) [فاطر: 28]، فالعلم الحقيقي هو الذي يثمر قيمة الخشية، ويورث صاحبه تعظيما لله، وانضباطا بأوامره. وإذا فقد العلم هذه الثمرة، فقد روحه، وتحول إلى أداة قد تستعمل في الخير أو الشر بحسب هوى صاحبها.
وفي السنة النبوية يتأكد هذا المعنى بوضوح؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من علم لا ينفع، كما في صحيح مسلم: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع" (رواه مسلم)، وهذا يدل على أن العلم النافع ليس هو كل ما يدرك بالعقل، بل ما اقترن بالهداية، وأثمر عملا صالحا. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قرن بين حسن الخلق وكمال الإيمان، فقال: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" (رواه الترمذي وصححه)، فدل ذلك على أن القيم ليست أمرا ثانويا، بل هي جزء من حقيقة الإيمان ذاته.
ومكانة القيم والأخلاق في الإسلام تجسدها آيات القيم والأخلاق في كل سور وصفحات القرآن الكريم، وفي مقدمتها قوله تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 4]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق". [رواه أحمد].
ولما دخل بعضهم على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فسألوها: يا أم المؤمنين ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان خلقه القرآن، تقرؤون سورة المؤمنين؟ قالت: اقرأ: {قد أفلح المؤمنون} قال يزيد فقرأت: {قد أفلح المؤمنون} إلى: {لفروجهم حافظون}. قالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأنه كان يعمل بما يعلم وبما يدعو إليه فإنه هو القدوة والأسوة للمؤمنين؛ ولهذا قال الله عز وجل: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} [الأحزاب: 21}.
ومن تأمل سيرة السلف الصالح وجد هذا التكامل حاضرا في حياتهم؛ فكانوا يطلبون العلم للعمل، لا للمباهاة. قال علي رضي الله عنه: (هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل). وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: (كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن). فالعلم عندهم لم يكن منفصلا عن السلوك، بل كان يترجم فورا إلى واقع حي.
غير أن واقعنا المعاصر يكشف عن فجوة مقلقة بين القيم والمعرفة؛ فقد نرى من يمتلك شهادات عالية، لكنه يفتقد الأمانة في عمله، أو الصدق في معاملاته، أو الرحمة في تعامله مع الناس. وقد نشهد تقدما علميا وتقنيا هائلا، يقابله تراجع في منظومة القيم، حتى صار بعض العلم وسيلة للإفساد بدل الإصلاح، وللاستغلال بدل العدل.
وهذه الأزمة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة لفصل منهجي بين التربية العلمية والتربية القيمية؛ حيث تدرس المعارف في كثير من الأحيان بمعزل عن غاياتها الأخلاقية، ويربى الطالب على النجاح الفردي دون ترسيخ المسؤولية الاجتماعية، فينشأ عقل متخم بالمعلومات، لكنه خال من البوصلة الأخلاقية.
إن الشريعة الإسلامية حين دعت إلى طلب العلم، لم ترده مجرد وسيلة للارتقاء الدنيوي، بل جعلته عبادة يتقرب بها العبد إلى الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة" (رواه مسلم). وهذا الربط بين العلم والجنة يضفي على المعرفة بعدا قيميا عميقا، يجعله جزءا من مشروع الإنسان في تزكية نفسه وعمارة الأرض وفق مراد الله.
كما أن القيم في الإسلام ليست مجرد مبادئ نظرية، بل هي أوامر ونواه تضبط بالعلم؛ فلا يمكن أن تتحقق العدالة دون فهم لأحكامها، ولا تمارس الرحمة دون بصيرة بمواقعها، ولا يقام الحق دون معرفة بحدوده. ومن هنا كان التكامل بين القيم والمعرفة ضرورة لا غنى عنها، إذ لا تغني إحداهما عن الأخرى.
وفي واقعنا اليوم، تتأكد هذه الحاجة أكثر من أي وقت مضى؛ ففي ظل الانفتاح المعرفي الهائل، وتدفق المعلومات عبر الوسائط المختلفة، أصبح من السهل اكتساب المعرفة، لكن من الصعب ضبطها بالقيم. وقد أدى ذلك إلى انتشار ظواهر مقلقة، كالتلاعب بالمعلومات، ونشر الشائعات، واستغلال العلم في التضليل أو الإضرار بالآخرين.
ومن هنا تبرز مسؤولية المؤسسات التعليمية والتربوية في إعادة بناء هذا التكامل؛ فلا يكفي أن نخرج طلابا متفوقين في تخصصاتهم، بل لا بد أن يكونوا كذلك أمناء، صادقين، ناصحين لأمتهم. كما أن الأسرة لها دور محوري في غرس القيم منذ الصغر، وربطها بالسلوك اليومي، حتى تنشأ الشخصية متوازنة بين العقل والضمير.
ولا يقل دور الفرد أهمية؛ إذ ينبغي على كل مسلم أن يراجع نفسه: هل علمه يقوده إلى الله، أم يبعده عنه؟ هل يزيده تواضعا أم كبرا؟ هل يجعله أكثر نفعا للناس أم أكثر أنانية؟ فإن وجد خللا، فليعلم أن الخلل ليس في العلم ذاته، بل في غياب القيم التي تضبطه.
إن تكامل القيم والمعرفة ليس ترفا فكريا، بل هو ضرورة حضارية؛ فبه تبنى الأمم، وتستقيم المجتمعات، ويحفظ للعلم مكانته، وللقيم أثرها. وإذا كان العالم اليوم يعاني من أزمات أخلاقية رغم تقدمه العلمي، فإن الإسلام يقدم نموذجا فريدا يربط بين العقل والقلب، بين الفهم والعمل، بين ما نعرفه وما نعيشه.
وفي الختام، فإن أعظم ما يطلب من المسلم ليس أن يكون عالما فحسب، ولا أن يكون صالحا بمعزل عن الفهم، بل أن يكون جامعا بين الأمرين؛ عالما يهديه علمه، وصالحا يسير في طريق صلاحه بعلمه. وبهذا وحده تتحقق الخيرية التي وصف الله بها هذه الأمة: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110]، لأنها أمة تأمر بالمعروف بعلم، وتنهى عن المنكر ببصيرة، وتعيش القيم واقعا لا شعارا.

المقالات

