دلائل وآيات وجود الله القرآنية والكونية

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أوصيكم ونفسي بتقوى الله، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]، وقال سبحانه: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1]، وقال جل وعلا: {فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [التغابن: 16].
عباد الله:أعظم قضية في حياة الإنسان هي معرفة الله تعالى، والإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته، فبها تستقيم الحياة، وتطمئن القلوب، وتبنى القيم، ويأمن الإنسان في دنياه وأخراه، قال تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28]. وقد أقام الله على ذلك أدلة واضحة لا لبس فيها، تجمع بين آيات الوحي وآيات الكون، فقال سبحانه: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} [فصلت: 53]، فهذه الآية جمعت بين الدليلين: دليل القرآن، ودليل الكون، لتقوم الحجة على الخلق جميعا، فلا يبقى لمكابر عذر، ولا لمعرض حجة.
عباد الله: إن من تأمل في نفسه علم يقينا أن له خالقا مدبرا، قال تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21]، وتأملوا في هذا الكون العظيم، في السماء وارتفاعها، والأرض واستقرارها، وتعاقب الليل والنهار، واختلاف الأرزاق والأقدار، قال سبحانه: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} [آل عمران: 190-191]. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله) رواه الطبراني. فالتفكر في المخلوقات طريق موصل إلى تعظيم الخالق، ومعرفة قدره، وتحقيق الإيمان به سبحانه.
أيها المسلمون: إن من أعظم دلائل وجود الله آيات القرآن الكريم، هذا الكتاب الذي تحدى الله به العرب والعجم، فقال: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} [البقرة: 23-24]، فعجزوا عن معارضته، مع فصاحتهم وبلاغتهم، فكان ذلك أعظم دليل على أنه من عند الله، والقرآن كتاب معجز في بيانه، محفوظ من التحريف، مشتمل على أخبار الماضي والمستقبل، وأحكام الدنيا والآخرة، قال تعالى: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [فصلت: 42]، وقال سبحانه: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9]. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتج به على قومه، ويقيم به الحجة، وكان تأثيره في القلوب أعظم شاهد على صدقه، قال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23]، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) رواه البخاري. فاجعلوا القرآن ربيع قلوبكم، ونور صدوركم، ودليلكم إلى ربكم، فمن تمسك به نجا، ومن أعرض عنه ضل وغوى، قال تعالى: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} [طه: 123-124].
عباد الله: ومن دلائل وجود الله كذلك آيات الكون المشهودة، فمن نظر في السماء بنجومها، وما فيها من إحكام واتساع، وفي الأرض بجبالها الراسيات، وبحارها الزاخرة، وأنهارها الجارية، وما أودع الله فيها من خيرات وأرزاق؛ علم يقينا أن لهذا الكون خالقا مدبرا لا شريك له، ولا نظير له ولا مثيل، قال تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون} [الطور: 35-36]، وقال سبحانه: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} [آل عمران: 190]. إن تعاقب الليل والنهار على نظام دقيق لا يختل، ودوران الشمس والقمر بحساب محكم لا يتغير، وانتظام حركة الكون في أدق تفاصيله، من أصغر الذرات إلى أعظم المجرات، واستمرار الحياة على هذا النسق العجيب، كل ذلك يدل على حكمة بالغة، وقدرة عظيمة، وتدبير محكم، قال تعالى: {الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان} [الرحمن: 5-6]، وقال سبحانه: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} [النمل: 88]، فليس هذا الكون صدفة عمياء، ولا خبط عشواء، بل هو خلق رب حكيم، {الذي أحسن كل شيء خلقه} [السجدة: 7].
أيها المؤمنون: ومن أعظم الآيات الدالة على وجود الله آيات النفس الإنسانية، قال تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21]، فخلق الإنسان في أحسن تقويم، كما قال سبحانه: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} [التين: 4]، وتركيبه الدقيق، وتناسق أعضائه، ووظائف أجهزته، من قلب ينبض، وعقل يدرك، ونفس تعقل وتختار، كل ذلك شاهد على وجود الخالق سبحانه، بل إن الإنسان إذا تأمل في نفسه علم ضعفه وحاجته، وعلم أن له ربا يلجأ إليه ويستعين به، قال تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} [فاطر: 15]، وهذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها تميل إلى الإيمان وتنجذب إلى التوحيد، قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها} [الروم: 30]، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) رواه البخاري ومسلم. فالفطرة السليمة تشهد بوجود الله وتوحيده، وإنما تنحرف بتأثير البيئة والتقليد.
عباد الله: ومن دلائل وجود الله كذلك إجابة الدعاء وكشف الكربات، فما من إنسان يقع في شدة، أو تنزل به نازلة، أو تضيق عليه السبل؛ إلا ويلجأ إلى الله تعالى بقلبه، ويرفع إليه يديه، ويستغيث به وحده، ولو كان في حال الرخاء غافلا أو معرضا، قال تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون} [النمل: 62]، وقال سبحانه: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} [العنكبوت: 65]، بل إن الله بين حال الإنسان عند الضر فقال: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} [الإسراء: 67]، وهذه التجارب المتكررة في حياة الناس، من انكشاف الكرب بعد الدعاء، وتفريج الهموم بعد اللجوء إلى الله تعالى، وقضاء الحاجات بعد التضرع إليه؛ دليل عملي مشاهد على وجود الله وربوبيته، وأنه سميع قريب مجيب، قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60]، وقال سبحانه: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) رواه البخاري ومسلم. فمن ذاق لذة الدعاء، ورأى أثر الإجابة، علم يقينا أن له ربا حيا قيوما، يسمع دعاءه، ويرى حاله، ويجيب من دعاه، ويكشف السوء عمن لجأ إليه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد:
عباد الله: لقد دلت آيات القرآن على وجود الله، ودلت آيات الكون على قدرته، وشهدت الفطرة السليمة بوحدانيته، فمن تدبر كتاب الله تعالى، ونظر في خلق الله تعالى، وتأمل في نفسه؛ علم يقينا أن لهذا الكون ربا عظيما لا شريك له، قال الله تعالى: {أفي الله شك فاطر السماوات والأرض} [إبراهيم: 10]. والإيمان بهذه الآيات ليس معرفة ذهنية مجردة، بل هو عمل وسلوك، واستقامة في الظاهر والباطن، فمن عرف الله عظمه وأطاعه، وابتعد عن معصيته، قال الله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله) متفق عليه. 
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة