- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
السيرة النبوية ليست مجرد صفحات تقلب، ولا مجرد قصص وأحداث تروى للتسلية العابرة، بل هي منهج حياة، ومشاعل نور، ومدرسة نبوية تعلمنا كيف نثبت حين تشتد الأزمات وتتكالب الخطوب..إنها منهج يربط الماضي بالحاضر، ويرينا أن الصراع بين الحق والباطل ليس حادثا عابرا، بل هو سنة ربانية ماضية منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين}(البقرة:251). وهذا التدافع، أو لنقل "الصراع المستمر بين الإيمان والكفر، والحق والباطل، والخير والشر"، هو الذي يظهر معادن الرجال في المواقف العصيبة، ويكشف الإيمان الصادق القوي من الإيمان الضعيف الزائف..
ومن الأحداث التي جسدت هذه المعاني في السيرة النبوية: غزوة الأحزاب ـ أو الخندق ـ، تلك الغزوة التي أظهرت كيف يكون الثبات في أشد الظروف، وكيف يكون النصر حين يغلق كل باب بشري..
في شوال من السنة الخامسة للهجرة النبوية، تحركت مؤامرة كبرى على الإسلام والمسلمين، وتكالبت أحزاب وقوى الكفر والشر على المدينة المنورة..
في مشهد يفيض بالحقد والعداوة، انطلق وفد من يهود المدينة يحمل في صدره كراهية وحقدا عميقا، ليحرضوا قبائل العرب من قريش وغيرها على غزو المدينة، وبالفعل، تشكل جيش ضخم بلغ عشرة آلاف مقاتل، زحفوا نحو المدينة، وكان المسلمون حينئذ قلة في العدد والعدة، ولم تكن المعركة عسكرية فحسب، بل كانت محنة كبرى، فقد اجتمع على المسلمين برد الشتاء القارس، وألم الجوع الشديد، وطعنات الغدر من اليهود، وأكاذيب وتخويف المنافقين في الداخل، لقد كان الموقف شديدا وعصيبا، حتى وصفه القرآن الكريم وصفا يهز القلوب، قال تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا}(الأحزاب:10:11).
وفي تلك اللحظات العصيبة، حين اشتد الحصار والكرب، وضاقت الأرض بما رحبت، رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه داعيا ربه: (اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم) رواه البخاري. فجاءت الاستجابة الإلهية عاجلة، فأرسل الله ريحا عاتية تقلع خيام الأحزاب، وتطفئ نيرانهم، وتزلزل نفوسهم، وألقى الرعب في قلوبهم، وأنزل ملائكته لنصرة عباده المؤمنين، فانقلب جمع الكفر والشر على أعقابه، وولوا مدبرين، وردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا.. ويروي أبو سعيد الخدري رضي الله عنه هذا الموقف فيقول: (قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقوله؟ فقد بلغت القلوب الحناجر! قال: نعم، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، قال: فضرب الله وجوه أعدائه بالريح، وهزمهم الله بالريح) رواه أحمد.
أيها المؤمنون: غزوة الأحزاب فيها الكثير من الدروس والمعاني التي ينبغي أن نقف معها للاستفادة منها في واقعنا، ومنها الشورى:
والشورى في الإسلام أساس راسخ لصناعة القرار الرشيد، وملاذ آمن في مواجهة المشكلات والتحديات، فهي اجتماع للعقول في عقل واحد، واستثمار حكيم لكل الطاقات والخبرات، وبها يقضى على الفردية، ليحل محلها بناء جماعي، فيكون القرار أقوى، والرأي أرجح، والنتيجة أفضل وأحسن..
ومع أن نبينا صلى الله عليه وسلم معصوم ومؤيد بالوحي، لكنه أراد أن يؤصل مبدأ الشورى في حياة المسلم والمجتمع والأمة، قال تعالى: {وأمرهم شورى بينهم}(الشورى:38)، وقال تعالى: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين}(الأحزاب:159).
فحين تكالبت الأحزاب على المدينة، جمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يستشيرهم، فأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر خندق حول المدينة، اعتمادا على خبرته في حروب الفرس، فوافقه النبي صلى الله عليه وسلم وأقره، وأمر بحفره، فكانت هذه المشورة سببا في حماية المسلمين ورد كيد الأحزاب..
والمتأمل في السيرة النبوية يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم رغم علو منزلته، وأنه نبي يوحى إليه، فقد كان كثير التشاور مع أصحابه، بل وحتى مع زوجاته، ليغرس هذا المبدأ في النفوس، وليقتدي به المؤمنون من بعده، ولذلك كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: "ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم".
والشورى تكون في الأمور التي لم يرد فيه نص شرعي من الكتاب والسنة، قال ابن تيمية في كلامه عن الشورى: "إن الله أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم لتأليف قلوب أصحابه، وليقتدي به من بعده، وليستخرج بها منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي، من أمر الحروب والأمور الجزئية وغير ذلك، فغيره صلى الله عليه وسلم أولى بالمشورة"..
عباد الله: وإذا كان درس الشورى قد أضاء لنا جانبا من غزوة الأحزاب، فإن درسا آخر لا يقل أهمية يتجلى في قول الله تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو}(المدثر:31).
فما من مواجهة بين الإيمان والكفر، قديما أو حديثا، إلا ولله سبحانه فيها جنود، يسخرهم لنصرة عباده المؤمنين، لا يراهم البشر، قال تعالى: {ولله جنود السماوات والأرض}(الفتح:7).
لقد كانت هذه الجنود حاضرة في الهجرة النبوية، حين حفظ الله نبيه صلى الله عليه وسلم من كيد المشركين وهو في الغار..
وكانت حاضرة في غزوة بدر، حين أمد الله المؤمنين بألف من الملائكة مردفين، وألقى الرعب في قلوب المشركين، وأنزل المطر تطهيرا للمؤمنين وتثبيتا لأقدامهم..
وكذلك في غزوة الأحزاب، أرسل الله جنوده، فأرسل ريحا عاتية تقلع خيام الأحزاب وتطفئ نيرانهم وتزلزل نفوسهم، وألقى الرعب في قلوبهم، وأنزل ملائكته لنصرة عباده المؤمنين، فانهزم الجمع وولوا مدبرين.. فجنود الله لا يعلمهم إلا هو، يرسلهم حيث يشاء، وفي الوقت الذي يشاء لحكمته سبحانه، وهم جنود في السماء وجنود على الأرض، قال تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو}(المدثر:31)..
أيها المؤمنون: وفي خضم حصار المشركين والأحزاب للمدينة، وخيانة اليهود، وتخذيل المنافقين، واشتداد الكرب، وعظم البلاء، كان اليقين بالله تعالى يملأ قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يربي أصحابه على التفاؤل والأمل، وأن ما يمرون به من شدة وكرب ما هو إلا تمحيص وابتلاء، يعقبه فتح ونصر وتمكين..
ومن المشاهد الدالة على ذلك ما رواه البراء بن عازب رضي الله عنه، حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بحفر الخندق، فعرضت لهم صخرة عظيمة استعصت على المعاول، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فأخذ المعول فقال: (بسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع الثلث الآخر فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض، ثم ضرب الثالثة وقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة) رواه أحمد.
وتأملوا كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بالفتوحات العظيمة وهم في أشد لحظات الضيق والابتلاء ـ قلة في العدد والعدة، محاصرون من قوى الكفر والشر، يواجهون جوعا وبردا وخوفا ـ، ليعلمهم ويعلم الأمة من بعدهم أن المسلم لا يعرف اليأس والقنوط، وأن التفاؤل والأمل زاد هام على طريق النصر، قال تعالى: {فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا}(الشرح:5-6)، وقال تعالى: {ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}(يوسف:87)، وقال صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن النصر مع الصبر، و أن الفرج مع الكرب، و أن مع العسر يسرا) رواه الترمذي.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
الصراع بين الإيمان والكفر، وبين الحق والباطل، والخير والشر سنة ربانية باقية منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، وإن اجتماع الأحزاب وتآمر قوى الكفر والشر على الإسلام وأهله سنة ماضية متكررة لا تنقطع، وإن اختلفت أسماؤهم ووسائلهم، قال تعالى: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا}(البقرة:217).
وما نراه اليوم من صور التآمر على أمتنا، ومحاولات إفساد المجتمعات الإسلامية عن طريق طمس الهوية، وتغيير القيم والأخلاق الإسلامية، إنما هو امتداد لذلك التدافع والصراع ليميز الله الخبيث من الطيب، وليظهر الصادق من الكاذب..
وغزوة الأحزاب وإن قل فيها القتال والقتلى، إلا أنها مليئة بالدروس، وكانت نقطة تحول في تاريخ الإسلام والمسلمين، وانتقل المسلمون بعدها من الدفاع إلى الهجوم، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم بعدها: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم) رواه البخاري.
وختاما، ما أشد حاجتنا في هذه الأيام التي كثرت فيها الفتن، وتنوعت فيها صور التآمر على ديننا وأمتنا الإسلامية، إلى أن نقف أمام سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم، نستلهم من أحداثها ودروسها ما يزيدنا إيمانا ويقينا، ونتعلم منها أن الصبر والثبات، والتفاؤل والأمل، عند المحن والابتلاء هي من مفاتيح الفرج والنصر، فنثبت على ديننا مهما عظم الكرب واشتد البلاء، ونوقن أن نصر الله آت لا محالة ما دمنا ننصره وننصر دينه، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}(محمد:7)، وقال سبحانه: {ولينصرن الله من ينصره}(الحج:40)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بشر هذه الأمة بالسناء، و الدين، و الرفعة و النصر، و التمكين في الأرض) رواه أحمد. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله"..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56).

المقالات

