- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:تاريخ و حضارة
الوصية في الثقافة العربية ليست مجرد كلمات عابرة تقال عند الفراق، ولا نصائح تقليدية تلقى في لحظة وداع؛ بل هي بناء أخلاقي متكامل، وكانت ولا تزال جسرا ممتدا بين جيل وآخر، تنتقل عبره خلاصة التجارب، وزبدة الحكمة، ونبض الحياة كما عاشها الآباء، والأمهات في صفائها وعثراتها.
لقد أدرك العرب منذ القدم أن الكلمة المخلصة قد تختصر طريقا طويلا من المعاناة، وأن وصية صادقة قد تكون أبلغ أثرا من تجربة قاسية.
وفي مشهد مؤثر من تراثنا، نرى أما تودع ابنها المسافر، فتجلسه بين يديها لتمنحه زادا من نوع آخر؛ زادا لا يرى، لكنه ينقذ في المواقف، ويهدي في المتاهات، قالت له: "اجلس امنحك وصيتي وبالله توفيقك، وقليل إجدائها عليك أنفع من كثير عقلك؛ إياك والنمائم، فإنها تزرع الضغائن، ولا تجعل نفسك غرضا للرماة، فإن الهدف إذا رمي لم يلبث أن ينثلم، ومثل لنفسك مثالا فما استحسنته من غيرك فاعمل به، وما كرهته منه فدعه واجتنبه، ومن كانت مودته بشره كان كالريح في تصرفها" تقرر هذه المرأة الحكيمة قواعد وتضع أسسا بنتها على التجربة، وهي وإن قلت كلماتها، تفوق العقل المجرد إذا لم يهذب بالتجربة.
تمضي هذه الأم في رسم معالم الطريق الأخلاقي، محذرة من النميمة التي "تزرع الضغائن"، وهي بذلك تضع صورة بليغة تختزل آثار الكلمة الخبيثة في النفوس؛ إذ لا تلبث النميمة أن تنبت خصومات، وتثمر عداوات، وهي أيضا توصي ابنها بألا يجعل نفسه "غرضا للرماة"، في إشارة إلى ضرورة صيانة النفس عن مواطن الشبهات، والمهالك، فكما أن الهدف إذا كثر رميه تآكل، كذلك الإنسان إذا عرض نفسه للانتقاد والخصومة ضعف وتهدم.
وتتجلى في وصيتها روح الموازنة الدقيقة بين الأخلاق، والمعاملة، فهي تدعوه إلى أن يتخذ من نفسه ميزانا، فما استحسنه من غيره فعله، وما كرهه من الناس اجتنبه، وهو مبدأ أخلاقي رفيع يقوم على محاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين.
وكأنها تشير إلى ما أثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "اجعل نفسك ميزانا بينك، وبين غيرك، فأحبب له ما تحب لنفسك، و اكره له ما تكره لها، و أحسن كما تحب أن يحسن إليك، و لا تظلم كما تحب أن لا تظلم".
وفي وصية أخرى، من وصايا العرب يبرز صوت أعرابي حكيم، يخاطب رجلا يماطل في قضاء الحاجات، فيكشف له عن خلل أخلاقي دقيق عنده فيقول له: " إن مثل الظفر بالحاجة تعجيل اليأس منها إذا عسر قضاؤها، وإن الطلب وإن قل أعظم قدرا من الحاجة وإن عظمت، والمطل من غير عسر آفة الجود".
يلفته إلى أن مجرد السعي في الطلب، وإن كان قليلا، أرفع قدرا من الحاجة نفسها، لأن فيه حركة الإرادة، وكرامة النفس، وأن المماطلة من غير عسر هي آفة الجود، وأن تعجيل قضاء الحاجة أعظم أثرا من حجمها.
ولا تقف الوصايا عند حدود التعامل مع الآخرين، بل تمتد إلى بناء الذات، حيث يحذر بعض الحكماء في وصيته فيقول: " إياك واطراح الإخوان، وإطراف المعرفة، وإياك وملاحاة الملوك، وممازحة السفيه، وعليك بطول الخلوة، والإكثار من السمر.... واعلم أن جماع الخير كله الحياء فعليك به، فتواضع في نفسك، واعلم أن السكوت عن الأمر الذي يغنيك خير من الكلام، فإذا اضطررت إليه فتحر الصدق والإيجاز".
فمن المهم للإنسان تعلم الحياء، ومن الحياء يتفرع التواضع، وحسن الصمت، وتحري الصدق، والإيجاز في الكلام، فالصمت عند الاستغناء خير من الكلام، والكلام عند الاضطرار يجب أن يكون صادقا موجزا، وهي قواعد لو التزمها الناس لقل الخطأ، وصفا التواصل.
هذه الوصايا تنمي الفهم الاجتماعي، وكأنها دعوة إلى التوازن بين العزلة والبناء الداخلي، وبين الانخراط الواعي في المجتمع.
ومن أعمق ما في هذه الوصايا قولهم: “كن بمالك جوادا، وبدينك شحيحا”، فهي عبارة موجزة تختصر فلسفة كاملة في ترتيب الأولويات؛ إذ يستحب السخاء في المال لأنه زائل، بينما يطلب التمسك بالدين لأنه أساس الهوية والنجاة، ويتبع ذلك بربط السخاء بالحلم، فهما معا "حلة" الإنسان الحقيقية، لا ما يلبسه من ثياب.
إن المتأمل في هذه الوصايا يدرك أنها ليست مجرد نصائح فردية، بل هي نظام أخلاقي متكامل، يربط بين الفرد والمجتمع، وبين الظاهر والباطن، وبين الفعل والنية، وهي في جوهرها تعبير عن ثقافة عربية أصيلة، كانت ترى في الكلمة مسؤولية، وفي التجربة أمانة، وفي التربية سبيلا لبناء الأجيال.
وفي زمننا هذا تتسارع وتيرة الحياة، وتتزاحم المؤثرات، مما يحتم الحاجة إلى استحضار هذا النوع من الخطاب؛ خطاب الوصية الصادقة، التي لا تلقى من عل، بل تمنح بمحبة، وتستقبل بثقة، فكم من شاب ضل طريقه لأنه لم يجد من يهمس في أذنه بحكمة، وكم من تجربة مريرة كان يمكن تجنبها لو وجدت وصية تنير الطريق.
إن الوصية ليست ماضيا يحكى، بل هي حاضر يستعاد، ومستقبل يبنى، وإذا أحسنا إحياء هذا التقليد الثقافي، لا بترديد ألفاظه فحسب، بل بفهم روحه، فإننا نكون قد وصلنا ما انقطع، وأحيينا في أنفسنا ذلك الحس العميق بالمسؤولية تجاه من نحب. فالكلمة الصادقة، حين تخرج من قلب مجرب، قد تكون أعظم هدية، وأبقى أثرا من كل ما يورث من مال أو جاه.

المقالات

