التكرار .. ضرورة

0 0

إن المتأمل في طبيعة النفس البشرية يدرك أنها جبلت على النسيان والمغالبة بين الواردات، فهي ميدان فسيح تزدحم فيه الأفكار وتتصارع فيه الرؤى؛ ومن ثم قد يعتريها النسيان، وتتناوشها الغفلة، ويغشاها الران بكثرة ما تسمع من باطل أو لغو؛ لذا لم يكن قول الحق لمرة واحدة كافيا في موازين التربية والإصلاح، بل غدا تكرار الحق ضرورة ملحة تمليها الفطرة، ويؤكدها العلم، ويزكيها المنهج الرباني بشقيه القرآني والنبوي كليهما.

إن التكرار في الشريعة ليس مجرد "إعادة لغوية"، أو اجترارا للكلمات، بل هو منهج تربوي رباني غايته تثبيت الأصول، وتجديد الإيمان، وإقامة الحجة، كما أنه غرس متتابع للقيم في تربة القلوب حتى تستقر وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

من الناحية العلمية والنفسية، يقرر المتخصصون في علوم الإدراك أن الذاكرة البشرية لا تستبقي المعلومات العابرة إلا بقدر يسير، بينما يعمل التكرار المتباعد كأداة لنقل المعرفة من الذاكرة القريبة إلى الذاكرة بعيدة المدى.

وعليه فالعقل يحتاج إلى "طرق" مستمر على جدار الوعي ليحدث الأثر المطلوب، فكل تكرار يضيف طبقة جديدة من الفهم، ويزيل غشاوة من الغفلة قد تكون تراكمت بفعل مشاغل الحياة.. التكرار هنا بمثابة صقل للمرآة، فكلما زاد الصقل زاد الجلاء والوضوح.

أما من الناحية الأدبية والجمالية، فإن التكرار في لغة العرب هو فن من فنون البلاغة يقصد به التقرير والتوكيد.

منهج قرآني
وقد نزل القرآن الكريم بهذا المنهج المعجز، ومن تتبع كتاب الله وجد فيه هذه السمة، تكرار مع تنوع لعدم الإملال، يقول الله تعالى: {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا}[الإسراء:]، و"التصريف" هو تنويع العرض وتكراره في سياقات مختلفة وصور بيانية متنوعة (قصص، أمثال، أحكام) مع اختلاف الموضوعات وصور الدلالات لتختلف معها أنواع الدروس والمنافع والعبر؛ وليصل الحق إلى كل قلب.
فهذا التكرار ليس تكرارا لفظيا مجردا، بل هو تنوع في العرض يلامس العاطفة تارة، ويخاطب العقل تارة أخرى، مما يجعل الحق حاضرا في وجدان السامع، لا يغيب عنه مهما اختلفت الظروف.

منهاج نبوي أيضا
وفي المقام الوعظي والدعوي، نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهج هذا المسلك الحكيم، فقد روى البخاري عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان "إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه". وفي خطبة حجة الوداع، كرر جملة: "ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد"، وكرر حرمة الدماء والأموال والأعراض تشديدا وتأكيدا، وتثبيتا للمعنى في قلوب السامعين. ليستوعبه السامع، ويحفظه المتلقي، ولينقله إلى غيره فرب مبلغ أوعى من سامع.

وهذا المنهج النبوي يبين أن السامعين يتفاوتون في سرعة الفهم وقوة الاستيعاب، وأن في الإعادة إفادة لمن غفل، وتثبيتا لمن عقل، وتعليما لمن جهل.. وهذا تعليم نبوي صريح في ضرورة التكرار للإفهام.

إن الداعية والمربي الذي يكتفي بالقول مرة واحدة ثم يلوم الناس على عدم التغيير، هو كمن يرمي بذرة في أرض قاحلة ولا يتعهدها بالسقيا؛ فالتكرار هو "سقيا الحق" التي تضمن بقاءه حيا في النفوس.

ما تكرر تقرر
إننا نعيش في عصر تكاثرت فيه الفتن وتعددت فيه أبواق الباطل التي تكرر زيفها ليل نهار حتى يظنه البعض حقا. ومما يكاد يتفق عليه الناس: "أن الإنسان أقرب لتصديق باطل سمعه عشر مرات، منه لتصديق حق سمعه مرة واحدة". وهذه قاعدة استعملها أهل الباطل فهم يزينون باطلهم ويكررونه في كل القنوات وفي جميع المحافل والتجمعات، ليرسخوه في قلوب السامعين.
فإذا كان أهل الباطل يكررون باطلهم لترسيخه، فأهل الحق أولى بأن يكرروا حقهم لتمكينه.
إن تكرار الحق ضرورة لحماية العقول من التزييف، ولتحصين القلوب من الشبهات، ولإقامة الحجة التي لا تدع مجالا للريب.

تكرار بلا إملال
يجب أن يدرك كل مرب وداعية وصاحب قلم أن تكرار الحق لا يعني الرتابة أو الإملال، بل يعني الإصرار على المبدأ مع الابتكار وتجديد الأسلوب.. فعن ابن مسعود قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا" أخرجه البخاري.
فاجعل قولك للحق كشروق الشمس؛ يتكرر في وقته، وبنوره، وبضرورته التي لا يستغني عنها الأحياء.

الخلاصة:
إن تكرار الحق ضرورة، وليس هو ضعفا في الإبداع، بل هو قوة في المنهج. فالحق كالماء للروح تذبل بغير سقياه وربما تموت، فهي تحتاج إلى مدد دائم منه لا ينقطع.
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة