- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
الموت انتقال محتوم من هذه الدار إلى الدارالآخرة، من دار العمل إلى دار الجزاء، وقد جعل الله عز وجل الموت عبرة للحي، ليذكره بحقيقة الدنيا وزوالها، ويوقظه من غفلته، قال تعالى: {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة}(آل عمران: 185).. ورحيل الإنسان من هذه الدنيا ليس نهاية المطاف، بل هو بداية حياة أخرى، حياة أبدية يتحدد فيها المصير، إما إلى نعيم مقيم وراحة وسعادة، {إن المتقين في جنات ونعيم}(الطور:17)، وإما إلى شقاء وعذاب أليم لا ينقطع {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها}(السجدة:20)، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشد) رواه الترمذي.
فالموت بداية رحلة طويلة، والقبر أول محطة، والآخرة هي دار القرار، فيها يتبين حال كل واحد منا، هل هو من أهل الراحة والنعيم، أم من أهل العذاب والشقاء، هل كان ممن استعد للقاء الله، أم ممن نسي وغفل حتى أدركه الموت على غفلة؟!!
وإذا كان الموت هو بداية الرحلة إلى الآخرة، فإن الدنيا في حقيقتها مزرعة الآخرة، يزرع فيها الناس أعمالهم ويحصدون ثمارها يوم يلقون الله، فمن زرع خيرا وجد خيرا، ومن زرع شرا وجد شرا، قال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}(الزلزلة:8:7)، فهي دار ممر لا دار مقر، والعاقل من جعل دنياه مزرعة لآخرته، فاستثمر أيامه ولياليه في الطاعة والعبادة، ليبشر عند الرحيل بقوله تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي}(الفجر:30:27).
فالموت ليس مجرد حدث عابر أو لحظة تنتهي بها حياة الإنسان، بل هو انتقال حتمي من حياة إلى حياة، ومن دار إلى دار، انتقال يفضي إما إلى راحة لا يعقبها نصب، أو إلى تعب لا حد له ولا وصف، فالناس بعد موتهم ينقسمون إلى قسمين وفريقين مختلفين، فريق رابح وفريق خاسر، فريق ناج وآخر هالك، مستريح وآخر مستراح منه.. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى حين مرت عليه جنازة فقال: (مستريح ومستراح منه. قالوا: يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟ قال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد، والشجر والدواب) رواه البخاري.
فالمؤمن الذي عاش حياته في طاعة الله وامتثل أمره، إذا جاءه الموت انتقل إلى رحمة الله ورضوانه، وارتاح من عناء الدنيا وتعبها، أما الفاجر الذي قضى عمره في المعاصي والظلم والفساد، فإن موته راحة للناس والبلاد من شروره، إذ يتخلصون من أذاه وظلمه وفساده، ولا يخلو أحد منا أن يكون عند موته إما أن يكون مستريحا، أو مستراحا منه، فليتأمل كل واحد منا حاله، وفي أي الفريقين يحب أن يكون، وليعمل لذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم..
أيها المؤمنون:إذا كان الناس بعد موتهم ينقسمون إلى مستريح ومستراح منه، فإن صفات كل واحد منهما تظهر جلية في حياته قبل موته، ويشهد بها واقعه وكلامه وأفعاله بين الناس..
فالمستريح هو الذي أيقن أن الدنيا مزرعة الآخرة، فزرع فيها الطاعات، وأكثر فيها من الخيرات والحسنات، وجعل التوبة بابا يسارع إليه كلما أخطأ وزل، لا ينام على ذنب إلا وقد استغفر، ولا يمر عليه يوم إلا وقد جدد العهد مع ربه، قال تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}(النور:31)، والتوبة عنده ليست كلمة تقال، بل حياة تعاش، ودمعة تسكب، وندم، وعزم على ألا يعود إلى المعصية، وهي أول خطوة نحو أن يكون العبد من المستريحين..
أما المستراح منه فهو الكافر والمنافق والفاجر الذي حاد الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا، وبين العباد إفسادا، لا يعرف للحق سبيلا، ولا للصلاح و الإصلاح طريقا، حتى إذا جاءه الموت جاءه على غفلة، وأخذه بغتة.
المستريح: هو الذي يجد في الصلاة راحة قلبه وسكينة نفسه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) رواه النسائي، والصلاة عنده ليست مجرد حركات وألفاظ، بل صلة بينه وبين ربه، وملاذ في شدته، ومصدر قوة في ضعفه، وقد علم أنها أول ما يحاسب عليه، قال صلى الله عليه وسلم: (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، و إن فسدت فسد سائر عمله) رواه الطبراني. فإذا سمع النداء بالصلاة اهتز قلبه، وترك ما في يده، ولبى نداء ربه، ووقف بين يدي الله خاشعا، يسكب دموعه، ويعرض حاجاته، ويخرج من صلاته وقد امتلأ قلبه نورا وطمأنينة..
أما المستراح منه: فهو الذي ضيع الصلاة، لا يعرف لها قدرا ولا يقيم لها وزنا، فإذا سمع الأذان لم يتحرك قلبه، ولم يلب نداء ربه، بل شغله هواه، وأعرض عن الصلاة حتى ضيعها، وقد قال الله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا}(مريم:59).
المستريح هو الذي عاش بين الناس بخلق حسن، يبتسم في وجوههم، يعفو عن مسيئهم، يرحم صغيرهم، ويوقر كبيرهم، يعاملهم بالرفق واللين، والصدق والأمانة، فيحبه الناس ويذكرونه بخير، ويترك أثرا طيبا بعد رحيله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا) رواه الترمذي.
أما المستراح منه فهو الذي عاش بغلظة وسوء خلق وظلم، يؤذي الناس بلسانه ويده وفعله، يشيع بينهم البغضاء، ويزرع بينهم الأحقاد، فإذا مات ارتاح الناس من شره، وذكروا ظلمه وأذاه، وكان موته راحة لهم من أفعاله السيئة..
والمستريح هو الذي حفظ لسانه، فلم ينطق إلا بخير، ولم يتكلم إلا بما يرضي الله، يذكر الله كثيرا، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويصون لسانه عن الغيبة والنميمة والكذب، فيكون لسانه شاهدا له يوم القيامة، قال تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}(ق:18).
أما المستراح منه فهو الذي أطلق لسانه في أعراض الناس، لا يعرف إلا السب والشتم، ولا يترك إلا أثرا سيئا، يجرح القلوب بكلماته، ويهدم البيوت بلسانه، فإذا مات ارتاح الناس من شره، ونجوا من أذاه، وكان لسانه شاهدا عليه يوم القيامة بما قال من سوء.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المؤمنون:
الدنيا مزرعة الآخرة، والناس فيها صنفان لا ثالث لهما: مستريح ومستراح منه، فاحرصوا أن تكونوا من زمرة المستريحين، الذين أعدوا زادهم للقاء الله، وأيقنوا أن الموت أقرب إليهم من أنفاسهم، فسارعوا إلى التوبة قبل أن يفجأهم الموت، وجعلوا التوبة بابهم الذي يلجون منه ويسارعون إلى الله كلما زلت أقدامهم أو غلبتهم نفوسهم..
كونوا من المستريحين الذين حافظوا على الصلاة فجعلوها قرة أعينهم، لا يتركونها مهما اشتدت مشاغل الدنيا، إذا سمعوا النداء تركوا ما في أيديهم ولبوا نداء ربهم، فكانت الصلاة لهم نورا وراحة وسكينة..
احرصوا على أن تكونوا من المستريحين الذين تحلوا بالأخلاق الطيبة، فكانوا محبوبين عند الله وعند خلقه، عاشوا بين الناس بقلوب رحيمة، وألسنة صادقة، ووجوه بشوشة، يعفون عن المسيء، ويكرمون الجار، ويصلون الأرحام، ويتركون أثرا طيبا في حياتهم وبعد مماتهم، حتى إذا ذكروا بعد رحيلهم ترحم الناس عليهم ودعوا لهم بخير..
كونوا من هؤلاء المستريحين الذين أمسكوا ألسنتهم عن كل شر، فلم ينطقوا إلا بخير، ولم يتكلموا إلا بما يرضي الله، فكان لسانهم شاهدا لهم لا عليهم، يذكرون الله كثيرا، ويعطرون أسنتهم بالصلاة على النبي صلى الله علي وسلم، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويبتعدون عن الغيبة والنميمة والكذب..
كونوا بحق من المستريحين الذين أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (مستريح)، وهم أهل الطاعة والرضوان، الذين ينادى على الواحد منهم حين رحيله من الدنيا: {يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي وادخلي جنتي}(الفجر:30:27)..
ولا تكونوا من الذين أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (مستراح منه)، أولئك الفاسدون المفسدون في الأرض لم يعرفوا لله حقا ولا للتوبة طريقا، أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، وأساؤوا الأخلاق، وأطلقوا ألسنتهم في الشر وأعراض الناس، فكان موتهم راحة للعباد والبلاد من شرورهم، يذكرهم الناس بسوء أعمالهم، ويستريح منهم الخلق جميعا، حتى الشجر والدواب، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..

المقالات

