العمر قصير فإياك والتفريط

0 0

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

إن أعمارنا مهما بدت طويلة فهي في حقيقتها قصيرة محدودة، تتناقص مع كل يوم وليلة، وتطوى صفحاتها دون أن نشعر، حتى إذا التفتنا وجدنا أن ما مضى أكثر مما بقي، وأن ما فات لا سبيل إلى استرجاعه، وكل يوم يمر بنا يبعدنا عن الدنيا ويقربنا من الآخرة، قال تعالى: {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة}(آل عمران:185).. فالموت آت لا محالة، والساعة قريبة مهما ظن الناس أنها بعيدة، وكل نفس يخرج من صدورنا يقربنا من يوم الرحيل..
والموت انتقال محتوم من دار العمل إلى دار الجزاء، إما إلى نعيم مقيم وراحة وسعادة، قال تعالى: {إن المتقين في جنات ونعيم}(الطور:17)، وإما إلى شقاء وعذاب لا ينقطع، قال تعالى: {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها}(السجدة:20). وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشد) رواه الترمذي.
والقبر صندوق العمل، فمن عمره بالطاعات وجد فيه النور والسعة، ومن ملأه بالمعاصي وجد فيه الضيق والظلمة، قال علي رضي الله عنه:

يا من بدنياه اشتغل    قد غره طول الأمل
الموت يأتي بغتة     والقبر صندوق العمل

ومن تأمل في سرعة انقضاء العمر أدرك أن إضاعته في غير طاعة الله خسارة لا تعوض، فمن كان قد أحسن فيما مضى من عمره فليزدد، ومن أساء فليراجع نفسه قبل أن يختم له بخاتمة سوء، وليعلم أن الله لم يخلقنا عبثا، ولم يتركنا هملا، بل خلقنا لعبادته وطاعته، وسيحاسبنا على الصغير والكبير، قال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}(الزلزلة:7-8). وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك".
فهنيئا لمن جعل التقوى شعاره، وطاعة الله دثاره، يزف غدا إلى الجنان ويعطى كتابه بيمينه، فيرفعه عاليا بين الخلائق، قائلا: {هاؤم اقرءوا كتابيه * إني ظننت أني ملاق حسابيه}(الحاقة:19-20)، فيكون جزاؤه: {في عيشة راضية * في جنة عالية * قطوفها دانية}(الحاقة:21-23)، ويأتيه النداء والبشارة والتطمين: {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية}(الحاقة:24). هذا هو الفوز العظيم لمن حفظ دينه وصان عمره عن التفريط في طاعة الله، فكان في الدنيا عاملا بالخير، وفي الآخرة مكرما بالنعيم، قال بعض السلف: "الدنيا ساعة فاجعلها طاعة"..

أما من أساء العمل واتبع الشهوات وأضاع الصلاة، واستهلك وأضاع عمره في اللهو والمعاصي، ولقي الله وهو مصر على تفريطه ومعاصيه، فيأخذ كتابه بشماله ويقول حسرة وندامة: {يا ليتني لم أوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه * يا ليتها كانت القاضية * ما أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانيه}(الحاقة:25-29)، ثم يؤمر به إلى العذاب: {خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه}(الحاقة:30-32). ما أشد تلك الحسرة حين يرى أن عمره ضاع فيما لا ينفع، وأنه لم يستعد للقاء الله، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي"..

أيها المؤمنون: الصغير والكبير يعلم أن الموت هو النهاية الحتمية التي لا مفر منها، وبعد الموت إما إلى الجنة وإما إلى النار، أجل، هذه هي الغاية والنهاية التي يسير إليها كل إنسان، مهما طال عمره، فليقف كل واحد منا مع نفسه وقفة صدق، وليحاسبها حسابا دقيقا: ماذا قدم فيما مر من عمره؟ وماذا أعد لما بقي من أيام حياته؟ فإن كان قد أسلف خيرا فليحمد الله وليزداد، وإن كان غير ذلك فليبادر إلى التوبة والإنابة، قال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين}(آل عمران: 133)،{‏‏وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون}‏‏(النور‏:‏31‏)، ويكثر من الحسنات والخيرات: قال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات}(هود:114).
فبادر وسارع إلى التوبة والرجوع إلى الله، قبل أن يأتيك الموت فجأة، فلا ينفعك حينها مال ولا جاه ولا سلطان، خذ من دنياك لآخرتك، ومن حياتك لموتك، كما أوصانا نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) رواه الترمذي.

هذا الحديث النبوي هو منهج حياة وخطة عمل كاملة لكل واحد منا، يرسم لنا فيها النبي صلى الله عليه وسلم كيف نستثمر أعظم رأس مال نملكه وهو "العمر"، إنها دعوة نبوية صريحة لـ "فقه المبادرة للتوبة والطاعات والخيرات"، فالعاقل هو من يقتنص الفرص الذهبية قبل أن تسرقها منه تقلبات الحياة، فانظروا إلى قوتكم في الشباب وعزيمتكم، استثمروها اليوم في طاعة الله قبل أن يحل وهن المشيب، واغتنموا ساعات الصحة والنشاط قبل أن يأتي مرض مفاجئ يثقل الكاهل، ولا تستهينوا بفضل المال وسعة الرزق، فاجعلوا منه صدقة وجبرا للخواطر قبل أن تتبدل الأحوال وتضيق الأرزاق.

حتى تلك اللحظات الهادئة من الفراغ، هي كنز ثمين فاغتنموها في ذكر الله وطاعته قبل أن تداهمكم دوامة الأشغال والمسؤوليات، وتذكروا أن الحياة كلها هي بابكم وميدانكم للعمل، وبالموت يغلق هذا الباب للأبد.. فلنجعل من هذا التوجيه النبوي استراتيجية لواقعنا، في الإكثار من الخيرات والطاعات والحسنات، لأنه إذا جاء الموت انقطع العمل ولم يبق إلا الحساب، قال الحسن البصري: "ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة"..

عباد الله: السعيد هو من أكثر من الأعمال الصالحة في دنياه، لتكون نجاة له في قبره ويوم تقوم الساعة، والشقي من ضيع حياته وعمره في الانشغال عما لا ينفع في الآخرة، فكل ما تسعى إليه وربما ضيعت دينك وآخرتك بسببه سيفارقك عند موتك، ولا يبقى لك سوى عملك، وطالما أنك مازلت حيا في الدنيا فأنت في ميدان فسيح للأعمال الصالحة، فكل ما نكد ونجمع ونحرص عليه سيتركنا عند الموت، ولن يبقى معنا إلا ما قدمناه من طاعة أو معصية، أو من خير وشر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله) رواه البخاري.

نحن الآن في ميدان فسيح للأعمال الصالحة، وأبواب الطاعات مفتوحة، وسبل الخير كثيرة، والفرص متاحة، فالصلاة خير موضوع، والصدقة تطفئ غضب الرب، وبر الوالدين أعظم أبواب الجنة، وصلة الأرحام تزيد في العمر وتبارك في الرزق، والكلمة الطيبة تدخل السرور على قلب مسلم، وإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، وجبر الخواطر ومواساة المهموم، وإعانة الضعيف والمحتاج، وكفالة اليتيم ورعايته، والإحسان إلى الجار، وقضاء حوائج الناس وتفريج كرباتهم، والتواضع ولين الجانب، وحسن الخلق مع الناس جميعا، وذكر الله وتسبيحه واستغفاره، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، كلها أبواب عظيمة للأجر والثواب، وطرق متعددة إلى الجنة، من اغتنمها سعد، ومن فرط فيها ندم، قال تعالى: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}(البقرة:281). وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك"..

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، عباد الله:

الدنيا ظل زائل، وعارية مستردة، وفي كل يوم يولد أقوام ويموت آخرون، وتطوى صحائف وتفتح أخرى، ويكتب للعبد ما قدم وما أخر، فلا تغتروا بزينة الدنيا، وإياكم والتفريط في طاعة الله، وإنما العاقل من جعل الدنيا مزرعة للآخرة، فاستثمر أنفاسه وأيامه في الطاعة، حتى إذا جاءه الموت وجد ما يسره بين يدي الله..

فاستدركوا ما فات بالتوبة النصوح، واستقبلوا ما بقي من حياتكم بالعمل الصالح، فإن الإقامة في هذه الدنيا محدودة، والأيام معدودة، والأعمال مشهودة، ولا ينفع يوم القيامة إلا ما قدمتم من صالحات..

فيا عبد الله، أنت اليوم في ميدان واسع للأعمال الصالحة يغلق عليك بموتك، فمن عاش على الطاعة والعمل الصالح هنيئا له أن يحسن الله له الخاتمة، قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}(فصلت:30). واحذر أن تخرج روحك على سوء خاتمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالخواتيم) رواه البخاري.
فحسن الخاتمة من توفيق الله سبحانه وتعالى للعبد، وهي ثمرة لتوبته الصادقة واستقامته في حياته على طاعة الله، وسوء الخاتمة من خذلان الله للعبد، وهي ثنتيجة الإصرار والاستكبار عن طاعة الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (يبعث كل عبد على ما مات عليه) رواه مسلم.
فعلى كل إنسان أن يحرص على أن يموت على خير الأحوال، وفي هذا حث على الحرص على دوام عمل الصالحات والخيرات في العمر كله، والحذر من المعاصي والتفريط فإنه لا يدري أحد متى يموت..

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة