منهج القرآن في شكر النعم دراسة تفسيرية لآيات الاستخلاف والزيادة

0 0

يعد شكر النعم من المقاصد العظمى في الخطاب القرآني، إذ به تحفظ النعم وتستجلب الزيادات، وتتحقق غاية العبودية لله تعالى. وقد قرن القرآن بين الشكر والاستخلاف في الأرض، وجعل الشكر سببا للتمكين والزيادة، كما جعل الكفران سببا للزوال والعقوبة. وهذه الدراسة تعنى ببيان منهج القرآن في شكر النعم من خلال تحليل آيات الاستخلاف والزيادة، مع الوقوف على دلالاتها التفسيرية واللغوية.

مفهوم شكر النعم في القرآن

الشكر في اللغة: الثناء على المنعم بما أولى من معروف. جاء في معجم "مقاييس اللغة": "الشين والكاف والراء أصل يدل على ظهور أثر النعمة على العبد". 

وأما في الاصطلاح الشرعي: فهو اعتراف القلب بالنعمة، وثناء اللسان بها، واستعمالها في طاعة الله. قال القرطبي: "الشكر حقيقته الاعتراف بالنعمة للمنعم واستعمالها في طاعته، والكفران استعمالها في المعصية".

وقد دل القرآن على هذا المعنى الشامل، قال تعالى: {اعملوا آل داود شكرا} [سبأ:13]، فجعل العمل جزءا من الشكر، بل هو مظهره الأتم. فليس الشكر مجرد معرفة، بل إظهار عملي.

وثمة تقابل بين الشكر والكفر؛ فالكفر في أصله: الستر، ومنه كفر النعمة، أي: سترها وعدم الاعتراف بها، قال تعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} [الإنسان:3]. فالشكر انفتاح على النعمة، والكفران طمس لها.

وقد ذكر ابن القيم في كتابه القيم "مدارج السالكين"، أن الشكر يقوم على أركان ثلاثة: 

- علم القلب: إدراك أن النعمة من الله. 

- حال القلب: الخضوع والمحبة. 

- عمل الجوارح: توجيه النعمة في الطاعة. 

الاستخلاف في القرآن وعلاقته بالشكر

الاستخلاف من المفاهيم المركزية في القرآن، ويعني تمكين الإنسان في الأرض للقيام بوظيفة العبودية وإعمار الكون وفق منهج الله. قال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} [النور:55] فالله سبحانه وعد عباده المؤمنين الصالحين ليجعلنهم خلفاء في الأرض كما جعل من قبلهم من الأمم، إذا أطاعوه وشكروه. فدل ذلك على أن الاستخلاف مشروط بالإيمان والعمل الصالح، وهما من أعظم صور الشكر.

وقال تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} [الأنعام:165] وقال سبحانه: {ويجعلكم خلفاء الأرض} [النمل:62] وقال عز شأنه: {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} [فاطر:39]. أي: يخلف قرنا بعد قرن، وقوما بعد قوم؛ لينظر كيف تعملون. فالاستخلاف ابتلاء، ومناطه التكليف والشكر.

الزيادة وعلاقتها بالشكر

من أبرز الآيات في هذا الباب قوله تعالى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم:7]. فهذه الآية وعد من الله لا يخلف، بأن الشكر سبب الزيادة. والزيادة هنا تشمل: زيادة في النعم الحسية، كالرزق والأولاد، والنعم المعنوية، كالعلم، والهداية، والطمأنينة.

وعن قتادة في قوله سبحانه: {يمتعكم متاعا حسنا} [هود:3] قال: فأنتم في ذلك المتاع، فخذوا بطاعة الله ومعرفة حقه، فإن الله منعم يحب الشاكرين، وأهل الشكر في مزيد من الله، وذلك قضاؤه الذي قضى.

وفي المقابل: {ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} [إبراهيم:7]، فقرن بين الشكر والزيادة، وبين الكفران والعقوبة، على سبيل التقابل. فالشكر سبب لبقاء النعمة، والكفر سبب لزوالها. 

منهج القرآن في تقرير الشكر من خلال الاستخلاف والزيادة

يتجلى منهج القرآن الكريم في تقرير (الشكر) من خلال:

- الربط بين النعمة والمسؤولية: القرآن لا يذكر النعمة مجردة، بل يقرنها بالتكليف. قال تعالى: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} [يونس:14]. فالشكر ليس قولا مجردا، بل التزام عملي.

- إبراز سنة التداول والاستخلاف: قال تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} [آل عمران:140]. فمن شكر استخلف، ومن كفر أزيل، كما وقع للأمم السابقة.

- التذكير بمصائر الأمم السابقة: قال تعالى في قصة سبأ: {كلوا من رزق ربكم واشكروا له} [سبأ:15]، ثم قال: {فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل} [سبأ:16] فلما كفروا النعمة، ولم يقدروها حق قدرها، سلبهم الله ما كانوا فيه من النعمة.

 الشكر سبب للتمكين

في قصة بني إسرائيل قال سبحانه: {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب} [إبراهيم:6]، ثم أتبعها بآية الزيادة، فقال: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم:7] فالتذكير بالنعم مدخل للشكر، والشكر سبب للتمكين.

ومن منهج القرآن في ترسيخ ثقافة الشكر: التكرار والتذكير بالنعم، كقوله تعالى: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} [الرحمن:13] فقد تكررت هذه الآية في سورة الرحمن ثلاثين مرة.

ضوابط استخدام النعم في ضوء القرآن

التمتع بالنعم التي أنعم الله بها على الإنسان يخضع لضوابط قررها القرآن الكريم، هي:

- الضابط الأول: تحقيق العبودية؛ فكل نعمة يجب أن ترد إلى الغاية من الخلق، قال سبحانه: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات:56].

- الضابط الثاني: عدم الإسراف؛ قال تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف:31] والإسراف -كما يقول العلماء- مجاوزة الحد في الحلال.

- الضابط الثالث: تحقيق النفع العام؛ قال عز وجل: {وأحسن كما أحسن الله إليك} [القصص:77] فشكر النعمة لا يقتصر على الفرد، بل يتعداه إلى المجتمع.

- الضابط الرابع: دوام الاستحضار القلبي لنعم الله عز وجل، قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل:53] وهذا الضابط أصل في منع الغرور.

صور الشكر في ضوء القرآن

الشكر يظهر في أكثر من صورة، فهناك: 

- شكر القلب: وهو الاعتراف بالنعمة من الله وحده؛ قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل:53].

- شكر اللسان: بالثناء والحمد. قال سبحانه: {وقل الحمد لله} [الإسراء:111].

- شكر الجوارح: باستعمال النعمة في الطاعة. قال تعالى: {اعملوا آل داود شكرا} [سبأ:13].

فحقيقة الشكر صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله، وهو عبادة الله سبحانه وتعالى، قال عز وجل: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات:56].

تطبيقات معاصرة لترسيخ ثقافة الشكر

لترسيخ ثقافة الشكر لا بد من تطبيق الشكر في العديد من مجالات الحياة: 

- في المجال الفردي: تحويل العادات إلى عبادات (كالأكل بنية التقوي)، وقد قرر العلماء قاعدة مفادها أن (العادات بالنيات تصبح عبادات) بمعنى أن الإنسان إذا نوى فيما يقوم به من عادات طاعة الله، فإن الله يثيبه على ذلك. 

ومن التطبيقات المهمة لترسيخ ثقافة الشكر في المجال الفردي ضبط الاستهلاك وفق الحاجة، وليس وفق ما تشتهيه النفس وترنو إليه. ومنها أيضا تخصيص وقت للتفكر في نعم الله التي لا تعد ولا تحصى. 

- في المجال التعليمي: إدماج مفاهيم الشكر في المناهج التعليمية. وربط العلوم بنعمة التسخير الإلهي. وتدريب الطلبة على المشاريع الخدمية. 

- في المجال المجتمعي: تعزيز ثقافة الوقف والصدقة. وتوجيه النعم نحو التنمية المستدامة لا الترف الزائل. ومحاربة مظاهر الاستهلاك والترف . 

- في المجال المؤسسي والدولي: إدارة الموارد على أساس الأمانة. وتحقيق العدل، واعتبار النعم مسؤولية لا امتيازا. 

معوقات الشكر في التصور القرآني

للشكر معوقات تقف في تحقيقه لا بد للعبد من الانتباه إليها وتجاوزها، تتمثل هذه المعوقات في:

- الغفلة: قال تعالى: {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} [الروم:7].

- الاستكبار: كما في قصة قارون: {قال إنما أوتيته على علم عندي} [القصص:78].

- الاعتياد: وهو أخطرها؛ إذ تتحول النعمة إلى أمر مألوف لا يستشعر قيمتها، ويعتقد دوامها.

- المادية الصرفة: حصر النعمة في بعدها الحسي دون المعنوي، ، قال سبحانه: {يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام] [محمد:12].

ثمرات الشكر وآثاره

للشكر ثمرات عديدة، وآثار جلية، من ذلك:

- دوام النعمة وزيادتها: وهو وعد إلهي قطعي لا يتخلف، قال تعالى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم:7].

- تحقيق الاستخلاف والتمكين: كما في آية النور، قال عز وجل: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} [النور:55].

- النجاة من العذاب: قال سبحانه: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} [النساء:147]. قال القرطبي: "التقدير: أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم، فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكر المؤمن، وأن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه" فهو سبحانه الشاكر العليم؛ يثيب عباده على طاعته، فيتقبل العمل القليل، ويعطي عليه الثواب الجزيل، وذلك شكر منه على عبادته.  

- رضا الله تعالى: {وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران:144]. قال أبو السعود: "أي: الثابتين على دين الإسلام، الذي هو أجل نعمة وأعز معروف، سموا بذلك؛ لأن الثبات عليه شكر له وعرفان لحقه، وفيه إيماء إلى كفران المنقلبين". قال القرطبي: "وجاء {وسيجزي الله الشاكرين} بعد قوله: {فلن يضر الله شيئا} [آل عمران:144] فهو اتصال وعد بوعيد".

- الشكر يمنع الانهيار الحضاري الناتج عن الطغيان، وزوال الحضارات مرتبط بزوال الشكر، قال تعالى في قصة سبأ: {كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور * فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل} [سبا:15-16] 

 نماذج قرآنية للشاكرين

سجل القرآن الكريم عددا من نماذج للشاكرين لأنعم الله، وفي مقدمتهم الأنبياء والمرسلين، من ذلك:

- إبراهيم عليه السلام، قال تعالى في وصفه: {شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم} [النحل:121] وهذا مدح لإبراهيم عليه السلام، وثناء عليه، وتعريض بمن انحرف بعده من الذين أشركوا وكفروا نعمة الله عليهم. قال الطبري: "كان يخلص الشكر لله فيما أنعم عليه، ولا يجعل معه في شكره في نعمه عليه شريكا من الآلهة والأنداد وغير ذلك، كما يفعل المشركون". 

- داود عليه السلام، خاطبه سبحانه بقوله: {اعملوا آل داود شكرا} [سبأ:13]. قال الطبري: "قلنا لهم: اعملوا بطاعة الله يا آل داود! شكرا له على ما أنعم عليكم من النعم التي خصكم بها عن سائر خلقه، مع الشكر له على سائر نعمه التي عمكم بها مع سائر خلقه...وأخرج قوله: {شكرا} مصدرا من قوله: {اعملوا آل داود} لأن معنى قوله: {اعملوا} اشكروا ربكم بطاعتكم إياه، وأن العمل بالذي يرضي الله، لله شكر". وقال ابن كثير: "أي: وقلنا لهم: اعملوا شكرا على ما أنعم به عليكم في الدنيا والدين".

- وفي قصة سليمان مع النمل قال عليه السلام: {هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر} [النمل:40] يقول: هذا النصر والتمكن والملك والسلطان الذي أنا فيه حتى حمل إلي عرش هذه في قدر ارتداد الطرف من مأرب إلى الشام، من فضل ربي الذي أفضله علي، وعطائه الذي جاد به علي؛ ليختبرني ويمتحنني، أأشكر ذلك من فعله علي، أم أكفر نعمته علي بترك الشكر له.

يتبين من خلال هذه الدراسة أن منهج القرآن الكريم في شكر النعم يقوم على ربط النعمة بالاستخلاف، وجعل الشكر شرطا للتمكين، وسببا للزيادة، مع التحذير من الكفران وعواقبه. كما أن الشكر في التصور القرآني ليس مجرد لفظ، بل هو منظومة متكاملة تشمل الاعتقاد والعمل، وتؤدي إلى تحقيق مقاصد الاستخلاف في الأرض. وبذلك يتحقق للإنسان صلاح دنياه وآخرته، ويقوم بوظيفته التي خلق لها على الوجه الذي يرضي الله تعالى.

كما يتضح أن الشكر في القرآن ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو قاعدة من قواعد الاستخلاف، وسنة من سنن الزيادة، وأصل من أصول بقاء النعم واستمرار الحضارة. وأن ترسيخ ثقافة الشكر يقتضي نقل المفهوم من دائرة القول إلى دائرة الفعل، ومن مستوى الفرد إلى مستوى الأمة، بحيث تصبح النعمة أداة عبادة وعمران، لا وسيلة ترف وإفساد. 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة