الإيمان والأخلاق

0 0

الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وربط بين الإيمان والأخلاق ربطا وثيقا، فلا إيمان بلا أخلاق، ولا أخلاق بلا إيمان، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله تعالى وحده لا شريك له، أمر بمكارم الأخلاق، ونهى عن مساوئها، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه الله تعالى ليتمم مكارم الأخلاق، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) رواه أحمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]، {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1]. ويقول تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * صلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ۗ ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد، عباد الله: إن الإيمان في حقيقته ليس مجرد أقوال تقال بالألسنة، ولا شعائر تؤدى بالجوارح فحسب، بل هو عقيدة راسخة في القلب، ويقين حي يملأ الفؤاد، يثمر آثارا ظاهرة في الأخلاق والسلوك، فمن صح إيمانه حسن خلقه، ومن ضعف إيمانه ساء خلقه، ولهذا ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين كمال الإيمان وكمال الخلق فقال: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا) رواه الترمذي، فدل ذلك على أن الأخلاق ليست أمرا ثانويا في الدين، بل هي مقياس ظاهر لحقيقة الإيمان في القلب، وعلامة صدقه أو ضعفه. وإن العبد قد يكثر من العبادات من صلاة وصيام وصدقة، لكنه إن أساء إلى الناس بلسانه أو فعله، أو ظلمهم، أو تعدى عليهم، فإن ذلك يدل على خلل في إيمانه، ونقص في يقينه، لأن الإيمان الحق ينهى صاحبه عن الظلم والعدوان، ويحثه على الرحمة والإحسان، قال تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90]، فهذه الآية قاعدة جامعة لأصول الأخلاق كلها، فمن استقام عليها في معاملته مع الله تعالى ومع الخلق، استقام دينه ودنياه.

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن سوء الخلق قد يذهب بثواب العبادات، فقال: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) رواه مسلم. فدل ذلك على أن الأخلاق ليست أمرا زائدا، بل هي جزء من الدين، وأن الإيمان لا يكتمل إلا بها، وأن الظلم وسوء المعاملة قد يذهبان بأجر العبد كله يوم القيامة. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل حسن الخلق من أعظم ما يثقل ميزان العبد يوم القيامة، فقال: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق) رواه الترمذي، فدل ذلك على عظيم منزلة حسن الخلق عند الله تعالى، وأنه عبادة عظيمة ترجح بها الموازين، وترفع بها الدرجات، ويدرك بها العبد مقامات عالية لا يبلغها بكثرة العمل المجرد.

عباد الله: إن الإيمان إذا تمكن من القلب أثمر مراقبة الله تعالى في السر والعلن، فيحمل صاحبه على الصدق، والأمانة، والحياء، والعفو، والحلم، والتواضع، وكف الأذى، والإحسان إلى الخلق، لأن المؤمن يعلم أنه مسؤول عن كل كلمة وكل تصرف، قال تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18]، وقال سبحانه: {وقفوهم إنهم مسئولون} [الصافات: 24]، فإذا استقر هذا المعنى في قلب العبد، استقام لسانه، وصلح فعله، وحسن خلقه، فصار إيمانه ظاهرا في سلوكه، لا مجرد دعوى على لسانه.

 ومن هنا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت) رواه مسلم، فدل ذلك على أن الأخلاق باب هداية، وأنها تحتاج إلى توفيق من الله تعالى، وأن العبد مهما اجتهد لا يستغني عن معونة ربه في تهذيب نفسه، وتقويم سلوكه.

 أيها المسلمون: إن الأخلاق في الإسلام ليست مجرد عادات اجتماعية، ولا صور شكلية، بل هي عبادة يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، ويؤجر عليها كما يؤجر على الصلاة والصيام، تبلغه منازل عظيمة عند الله تعالى، ولذلك جاءت الشريعة بتأكيدها وربطها بالإيمان، ومن أعظم هذه الأخلاق: الصدق الذي هو أساس التعامل، والأمانة التي تحفظ الحقوق، والحياء الذي يمنع من الوقوع في القبيح، والحلم الذي يكف الغضب، والعفو الذي يطفئ نار الانتقام، والتواضع الذي يطهر القلب من الكبر، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وكف الأذى عن الناس.

 وهذه الأخلاق لا تنال بالتمني، ولا تتحقق بمجرد المعرفة، بل تحتاج إلى تربية إيمانية صادقة، ومجاهدة للنفس، وصبر على تهذيبها، لأن النفس قد تميل إلى الغضب والانتقام، وقد تستثقل العفو والحلم، لكن الإيمان يضبطها، ويهذبها، ويرتقي بها، حتى تسير وفق شرع الله تعالى، وتكون أخلاقها انعكاسا حقيقيا لما في قلبها من إيمان.

 أيها المؤمنون: إن من أعظم مظاهر ارتباط الإيمان بالأخلاق أن الإيمان يمنع صاحبه من إيذاء الآخرين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) رواه البخاري، فالإيمان الحق يجعل الإنسان حريصا على سلامة الناس من أذاه، فلا يغتاب، ولا ينم، ولا يكذب، ولا يظلم، لأنه يعلم أن كل كلمة سيحاسب عليها، قال تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18]. ومن هنا نعلم أن الأخلاق ليست ترفا، بل ضرورة إيمانية، وأن فساد الأخلاق دليل على ضعف الإيمان، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) رواه البخاري، فجعل كمال الإيمان مرتبطا بحب الخير للناس.

 عباد الله: إن من أخطر ما نراه في واقعنا اليوم: الفصل بين الإيمان والأخلاق، فتجد من يؤدي العبادات، لكنه يسيء في تعامله مع الناس، أو يظلم، أو يغش، أو يتكبر، وهذا خلل في الفهم، لأن العبادة الحقيقية هي التي تثمر أخلاقا حسنة، قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45]، فإذا لم تنه الصلاة صاحبها عن السوء، فليعلم أن فيها نقصا، وإذا لم يزك الصيام نفس صاحبه، فليعلم أن فيه خللا، فالمقصود من العبادات هو تهذيب النفس، وتقويم السلوك، وربط العبد بربه، حتى ينعكس ذلك على أخلاقه مع الناس.

 أيها المسلمون: إن أعظم قدوة في الأخلاق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جمع مكارم الأخلاق كلها، فكان رحيما، حليما، صادقا، أمينا، متواضعا، يعفو عند القدرة، ويصفح عند الإساءة، ويصل من قطعه، ويعطي من حرمه، فلم تكن أخلاقه مواقف عابرة، بل منهج حياة قائم على تعظيم الله تعالى ورجاء ما عنده. وقد تجلى ذلك أعظم ما يكون يوم فتح مكة حين عفا صلى الله عليه وسلم عمن آذوه، فكان نموذجا في السمو والرفعة.

 وكان صلى الله عليه وسلم عادلا مع الجميع، رحيما بالناس كافة، حتى قال الله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ۖ فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ۖ فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} [آل عمران: 159]، فكانت أخلاقه سببا في هداية القلوب واجتماع الناس حوله. فمن أراد كمال الإيمان فليتأس به في أخلاقه، وليجاهد نفسه على ذلك، مع كثرة الدعاء، فإن حسن الخلق يرفع الدرجات، ويقرب من النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، كما قال: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا) رواه الترمذي.

 أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

الحمد لله الذي هدانا للإيمان، وأمرنا بمكارم الأخلاق، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد، عباد الله: الإيمان والأخلاق متلازمان لا ينفصلان، فمن أراد كمال الإيمان فعليه بحسن الخلق، ومن أراد صلاح نفسه وأسرته ومجتمعه، فعليه أن يبدأ بالأخلاق، وأن يجعلها جزءا من عبادته، وأن يربي نفسه وأبناءه عليها، وأن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فإن حسن الخلق يثقل الميزان، ويرفع الدرجات، ويقرب العبد من الله تعالى، ويجعله محبوبا بين الناس، فاجتهدوا في تحسين أخلاقكم، وجاهدوا أنفسكم على ذلك، واسألوا الله تعالى أن يرزقكم مكارم الأخلاق.

وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة