- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:ثقافة و فكر
ليس أخطر على الأمم من أن تتبدل معاييرها دون أن تشعر، وأن تنقلب موازينها حتى يصبح الخفيف ثقيلا، والهامشي أصلا، وتغدو التفاهة معيارا للنجاح والتأثير. فالتفاهة ليست حادثا عابرا في حياة المجتمعات، بل هي في كثير من الأحيان صناعة متقنة، تعاد هندستها، وإنتاجها ضمن سياقات ثقافية واجتماعية واقتصادية معقدة، ولقد عرفت البشرية صناعة التفاهة من قديم الأزمنة.
يقول الأستاذ محمد خير موسى: "لقد كان التأثير يعتمد في مراحل مختلفة من تاريخ البشرية على المحتوى التافه، لكن بطريقة غير منظمة، ومن أمثلة ذلك ما ذكره ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" إذ قال "إن القصاص على قديم الزمان كانوا يميلون وجوه العوام إليهم، ويستدرون ما عندهم بالمناكير، والغريب والأكاذيب من الحديث، ومن شأن العوام القعود عند القاص، ما كان حديثه عجيبا، خارجا عن فطر العقول، أو كان رقيقا يحزن القلوب ويستغزر العيون".
لكن هذه التفاهة غدت اليوم نظاما مدعوما يوصل مجتمعات شبابية كاملة إلى فقدان المعنى، كما يرى الفيلسوف الكندي آلان دونو في كتابه (نظام التفاهة) إذ يقول: "التفاهة تشجعنا بكل طريقة ممكنة على الإغفاء بدلا من التفكير، وعلى النظر إلى ما هو غير مقبول كأنه حتمي، وإلى ما هو مقيت كأنه ضروري؛ إنها تحيلنا إلى أغبياء".
إذا تأملنا في تاريخ الحضارة الإسلامية، وجدنا أن البناء الثقافي فيها قام على ترسيخ معايير العلم، والخلق، والجد، حيث كان العلماء هم النجوم الهادية، وكان الأدب مقرونا بالحكمة، وكانت الشهرة تنال بالتحصيل والبذل، ولم يكن ذلك وليد الصدفة، بل نتيجة منظومة قيمية متماسكة تجعل من المعنى غاية، ومن الأصالة أساسا، ومن الأثر معيارا.
غير أن التفاهة لا تنشأ في الفراغ، بل تحتاج إلى بيئة حاضنة، تضعف فيها المعايير، وتهدم فيها المرجعيات، ويستبدل فيها العمق بالسطح، والجوهر بالمظهر. وهنا يبدأ السؤال: كيف يعاد إنتاج التفاهة ثقافيا؟
التفاهة يتم انتاج بعدد من الطرق من ذلك:
- عبر تفكيك المعايير الأصيلة: وذلك حين تفرغ القيم من محتواها، ويعاد تعريف النجاح بعيدا عن العلم، والخلق، حينها يصبح المجال مهيأ لصعود من لا يملكون إلا الحضور الشكلي، فالتفاهة لا تنتصر بذاتها، بل تنتصر حين يضعف غيرها، ويخبت صوت الحق والجد، ويستبدل ميزان الجمال المقترن بالحق بميزان الانتشار والضجيج، وتتبدل الأولويات، ويفسح المجال لمن يجيد إثارة الانتباه لا بناء المعنى.
-عبر صناعة الرموز الزائفة: لا تقوم الثقافة إلا برموزها، فإذا صعد إلى الواجهة من لا يمثلون قيم المجتمع، عندها يتشكل وعي جديد مشوه، يومها يعاد تدوير التفاهة، وإنتاجها فتقدم بوصفها نموذجا ناجحا، ويحتفى بها الإعلام، فيمنحها سلطة التأثير دون أن يكون لها رصيد معرفي أو أخلاقي، فتتحول بالشهرة والانتشار إلى واقع ملموس، وتصبح هدفا مستقلا، يسعى الناس إليها فتكسب أرضيتها بفعل الظهور بدل الجدارة.
- عبر تسليع الثقافة: حين تتحول الثقافة إلى سلعة تقاس بقابليتها للاستهلاك السريع، ساعتها ستفقد عمقها، وأصالتها؛ ذلك لأن المحتوى العميق يحتاج إلى صبر وتدرج، بينما تقتات التفاهة على السرعة والإثارة، ومن هنا، يعاد صياغة الخطاب الثقافي بما يتلاءم مع ذائقة السوق، لا مع حاجات الإنسان، والاتساق مع قيمهم، وفي هذا السياق، تشن التفاهة حربها على القيم والدين؛ لأنها ترى في الدين، والقيم عبئا، وجدارا يمنعها من التسلط، وبسط سيطرتها.
- عبر تهميش العقل النقدي: إن أخطر ما يصيب المجتمعات هو تعطيل قدرتها على التمييز، فحين يغيب التفكير النقدي، يصبح المتلقي مستهلكا سلبيا، يقبل ما يعرض عليه دون تمحيص، والتفاهة تزدهر في بيئات لا تسأل: لماذا؟ ولا تحاسب: كيف؟ بل تكتفي بالإعجاب والمشاركة، وعلى النقيض من ذلك، كان التراث الإسلامي يعلي من شأن السؤال، ويحتفي بالمحاججة، ويجعل من “النظر” طريقا إلى اليقين.
- عبر إضعاف الصلة بالتراث الحضاري:
لا يمكن لأمة أن تحافظ على عمقها إذا انقطعت عن جذورها، فحين يقدم التراث على أنه عبء، أو يختزل في صور جامدة، يفقد دوره في تشكيل الوعي، والتفاهة تجد في هذا الفراغ فرصة للتمدد؛ لأنها لا تنافس في ساحة ممتلئة بالمعاني، بل تزدهر في أرض خالية، أما حين يستعاد التراث بروح واعية، تفهم مقاصده، وتستثمر قيمه، فإنه يصبح حصنا ضد السطحية.
غير أن هذا التشخيص لا ينبغي أن يقود إلى اليأس، بل إلى الوعي، فكما يعاد إنتاج التفاهة، يمكن كذلك إعادة إنتاج المعنى، وذلك يبدأ بإحياء المعايير، وتقديم القدوات الحقيقية، وبناء خطاب ثقافي يجمع بين الأصالة، والفاعلية، ويخاطب الإنسان في عمقه لا في سطحه.
إن المعركة في جوهرها ليست بين قديم وجديد، بل بين معنى وفراغ، والحضارة الإسلامية بما تحمله من رصيد معرفي وأخلاقي قادرة على أن تسهم في ترجيح كفة المعنى، إذا ما أحسن استثمارها، وربطها بواقع الناس، وتقديمها في صورة حية نابضة.
وصفوة القول: التفاهة لا تنتصر لأنها قوية، بل لأنها تجد من يغذيها، ويعيد إنتاجها، ويمنحها الشرعية، فإذا استعاد المجتمع وعيه، وأعاد ترتيب أولوياته، وأحسن اختيار رموزه، فإن التفاهة مهما بدت طاغية سرعان ما تنحسر، ويعود للمعنى مكانه، وللثقافة دورها، وللحضارة روحها.

المقالات

