المناظرة خدمة للحقيقة لا انتصارا للنفس

0 0

المناظرة عند المسلمين في تاريخهم الحضاري ليست ساحة للصراع بقدر ما هي ميدان لظهور الحق، ولم تكن المناظرة عندهم يوما معركة لإسقاط الخصم إنما كانت محاولة مشتركة للارتقاء بالحقيقة إلى موضعها اللائق من البيان.
ومع ذلك تجد كثيرا من الناس يخلطون بين المناظرة والجدل، فينحرفون بالمناظرة عن مقصدها النبيل، لتتحول من نور يهدي إلى الحق، إلى نار توقد الخصومة وتغذي العصبية.
من المبادئ الأولية للمناظرة من منظور إسلامي: أن يدرك الإنسان أن الدفاع عن رأيه بالحجة والبرهان أمر مشروع، بل مطلوب، وأن نقض أدلة الخصم وتفنيدها مما يدخل في صميم العمل الفكري، غير أن هذا كله ينبغي أن يكون محكوما بقيد أخلاقي عظيم: أن يكون القصد خدمة الحقيقة لا الانتصار للنفس.

وهنا يكمن الفارق الجوهري بين المناظرة الراقية، والجدل المذموم؛ فالأولى تعلي من شأن الحق، أما الثاني فيعلي من شأن الأنا.
لقد تنبه العلماء منذ القدم إلى هذا الفرق الدقيق، فبينوا أن الجدل احتجاج باللسان، بينما النظر أعمق من ذلك، إذ هو عمل القلب، والفكر معا، وقد يكون النظر من طرف واحد، أما الجدل فلا يقوم إلا بطرفين، غير أن الفارق الأهم يكمن في الغاية؛ فالمقصود من المناظرة ظهور الحق، بينما يسعى المجادل إلى إلزام الخصم، والظفر عليه، ولو على حساب الحقيقة نفسها.
ومن هنا، فإن أول ما ينبغي أن يتسلح به المناظر هو إخلاص النية؛ إذ لا يجوز بحال من الأحوال أن يكون غرضه غير نصرة الحق؛ ولو التزم الكتاب والمفكرون هذا الأصل، لاقتربت آراؤهم، وانحسر كثير من الخلاف الذي يستنزف الجهود، ويبدد الطاقات، فالاختلاف في ذاته ليس مذموما، وإنما المذموم أن يتحول إلى صراع إرادات، لا إلى حوار عقول.

ومن دقائق آداب المناظرة ما أشار إليه العلماء من ضرورة معرفة مراتب الناس، ومخاطبتهم على قدر عقولهم، ومقاماتهم، فليس من الحكمة أن يخاطب المسترشد كما يخاطب النظير، ولا أن يعامل المتعلم معاملة الأستاذ، وجعلوا هذا التمييز مدخلا لحفظ هيبة العلم، وصيانة لكرامة المتحاورين، وتيسيرا لوصول الفكرة إلى غايتها.
قال الإمام الجويني رحمه الله: "وعليك المحافظة على قدرك، وقدر خصمك، وإنزال كل أحد في وجه كلامك معه درجته، ومنزلته، فتميز بين النظير، وبين المسترشد، وبين الأستاذ".

ولعل من أعظم ما يعين على نجاح المناظرة أن تكون قائمة على الرفق، واللين، لا على الشدة والغلظة، فالنفوس بطبيعتها تميل إلى من يحسن إليها في القول، وتنفر ممن يقسو عليها في الخطاب، وقد أشار أهل العلم إلى أن المجادلة بالحسنى أدعى إلى القبول، وأقرب إلى إطفاء نار العناد والعصبية.

وما أحوجنا اليوم إلى هذا الخلق الرفيع، الذي يحول الاختلاف من معول هدم إلى أداة بناء.

ومن القواعد المنهجية الدقيقة في فن المناظرة ما يعرف بـ"تحرير محل النزاع"، وهو أن يحدد المتناظران ما يتفقان عليه، فيخرجانه من دائرة النقاش، ثم يركزان على موضع الخلاف وحده. وهذه القاعدة تقي من التشتت، وتمنع تضخم الخلاف، وتسهم في تقريب وجهات النظر، فكثير من النزاعات لا تنشأ من اختلاف حقيقي، بل من سوء فهم، أو اختلاط في مواضع الاتفاق والاختلاف.
كما أن من تمام الأدب في المناظرة أن يتجنب الإنسان الغضب والضجر، فإن الغضب – كما قيل – "غول العقل، يفسده، ويعطله عن أداء وظيفته"، وما أكثر ما تتحول المناظرات إلى خصومات بسبب كلمة قيلت في لحظة انفعال، أو برد صدر عن نفس مضطربة، إن الهدوء ليس مجرد خلق حسن، بل هو شرط أساسي لسلامة التفكير، وصحة الحكم.

ومن أرقى ما يروى في هذا الباب ما كان عليه سلف الأمة من سعة الصدر، وحسن الظن، فقد كان أحدهم يناظر غيره، ثم يخرج من مجلسه، وهو له محب، وبه واثق، ويكفي أن نتأمل في تلك الصورة المشرقة التي تنسب للإمام الشافعي عندما قال لمناظره: "ألا يستقيم أن نكون إخوانا، وإن لم نتفق في مسألة".
إنها كلمة تختصر فلسفة الاختلاف في أسمى صورها، حيث يبقى الود قائما رغم تباين الآراء.

من آداب المناظرة:
لخص الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى آداب المتناظرين في نقاط جميلة : منها:
- أن يتحرزا عن إطالة الكلام في غير فائدة، وعن اختصاره اختصارا يخل بفهم المقصود من الكلام.
- أن يتجنبا غرابة الألفاظ، وإجمالها.
- أن يكون كلامهما ملائما للموضوع، ليس فيه خروج عما هما بصدده.
- ألا يستهزئ أحدهما بالآخر ويسخر منه.
- أن يقصد كل منهما ظهور الحق، ولو على يد خصمه.
- ألا يتعرض أحدهما لكلام الآخر؛ حتى يفهم مراده من كلامه.
- أن ينتظر كل واحد منهما صاحبه حتى يفرغ من كلامه، ولا يقطع عليه كلامه قبل أن يتمه.

- أن يتجنب المناظرة مع من هو من أهل المهابة العظيمة، والاحترام العظيم؛ كيلا تدهشه وتذهله جلالة خصمه عن القيام بحجته كما ينبغي.
- ألا يحتسب خصمه حقيرا قليل الشأن؛ لأن ذلك يؤديه إلى عدم الجد والاجتهاد في القيام بحجته".

و من البديهي أن نعلم أنه لن يكتمل أدب المناظرة إلا بالتواضع، وترك الإعجاب بالنفس، فالإعجاب يعمي البصيرة، ويغلق أبواب المراجعة، ويجعل الإنسان أسير رأيه، لا يرى الصواب إلا فيما يقوله.
وقد حذر العلماء من هذا الداء، وعدوه أصلا لكثير من الآفات الفكرية، لما يجره من تعصب، ويورثه من انغلاق، إن المناظر الحق هو الذي يفرح إذا ظهر الحق على لسان غيره، كما يفرح إذا ظهر على لسانه، لأنه لا يطلب المجد لنفسه، بل للحقيقة.
وإذا تأملنا واقعنا المعاصر، وجدنا أن كثيرا من المناظرات قد فقدت روحها، وتحولت إلى مجرد سجالات إعلامية، أو معارك كلامية، يغلب عليها التشنج، والتراشق، لا البحث والتأمل. وهذا يفرض علينا أن نعيد إحياء أدب المناظرة في نفوسنا، لا بوصفه مهارة خطابية فحسب، بل بوصفه قيمة أخلاقية، ومنهجا فكريا، تفاخر به حضارتنا التليدة.

إن المناظرة في حقيقتها مدرسة لتزكية النفس قبل أن تكون ميدانا لإظهار الحجة؛ فهي تعلمنا الصبر، وتدربنا على الإنصات، وترسخ في قلوبنا قيمة العدل والإنصاف، ومن هنا، فإن إحياء هذا الفن وفق أصوله الصحيحة هو إحياء لجزء مهم من تراثنا الثقافي، الذي جمع بين دقة العقل، ونبل الخلق.

خاتمة القول: المناظرة ليست فنا للكلام فحسب، بل هي فن للحياة، يجسد أرقى ما في الإنسان من قدرة على البحث عن الحقيقة، وأسمى ما فيه من استعداد للتجرد لها، فإذا التزمنا بآدابها، صارت وسيلة للوحدة لا للفرقة، وجسرا للتفاهم لا ساحة للصراع، ونورا يهدي إلى سواء السبيل.

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة