- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
الأمانة ثقل عظيم، وواجب جسيم، خافت من حملها السماوات والأرض والجبال، وأشفقن من حملها، وحملها الإنسان لظلمه لنفسه وجهله لما فيه الحظ له، كما قال ربنا جل وعلا: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}(الأحزاب:72).
الأمانة ليست خلقا هامشيا، ولا سلوكا ثانويا، بل هي عمود الأخلاق، ومفتاح كل خير، ومعيار صدق الإيمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا إيمان لمن لا أمانة له) رواه أحمد. أي: لا إيمان كامل لمن لا أمانة له، فإيمانه ناقص، لأن الأمانة من أهم خصال الإيمان..
الأمانة هي تاج الغني، وزينة الفقير، وهي رأس مال التاجر، وسبب شهرة الصانع، وسر نجاح العامل والمزارع، وهي واجب الموظف، وميزان العدل بين الناس جميعا، بها تبنى المجتمعات، وتصان الحقوق، وتحفظ الثروات، وما من أمة ضيعت الأمانة إلا تهاوت أركانها، وما من مجتمع حفظ الأمانة إلا ارتفع شأنه وازدهر أمره..
وليست الأمانة قاصرة على حفظ الودائع والأموال، بل هي أوسع من ذلك بكثير، فهي أداء كل واجب أمر الله به ورسوله، واجتناب كل معصية نهى الله عنها ورسوله، في البيع والشراء، وفي الوظائف والمناصب، وفي السر والعلن، وفي القول والعمل، والبيت والسوق، والمعاملات والعلاقات، قال الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها}(النساء:58)..
وإذا كانت الأمانة تشمل كل ما أمر الله به ونهى عنه، فإن أعظم ما يدخل في بابها أركان الإسلام الخمسة، فهي أمانات عظمى في أعناقنا، لا يجوز التفريط فيها ولا التهاون بحقوقها، ومن أعظمها: الصلاة، عمود الدين، الركن الثاني في الإسلام، وأول ما يحاسب عليها العبد، من قام بها على وجهها نجا، ومن فرط فيها، فلا يلومن إلا نفسه، ولذا كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضرته الوفاة، الصلاة..
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما يبقى الصلاة"، فالمحافظة على الصلاة في أوقاتها، بخشوعها وخضوعها من أعظم الأمانات..
ثم تأتي الزكاة، وهي أمانة في أعناق الأغنياء، يطهرون بها أموالهم، ويزكون بها أنفسهم، ويواسون بها الفقراء والمحتاجين، قال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}(التوبة:103)، فمن أداها فقد برئت ذمته، وأجزل الله له الأجر والثواب..
وأما الصيام، فهو أمانة بين العبد وربه، لا يطلع على صدقه وإخلاصه إلا الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري.
وأما الحج، فهو أمانة في عنق كل مسلم استطاع إليه سبيلا، به يتجرد من الدنيا، ويقف بين يدي الله في أعظم مشهد، يعلن العبودية، ويجدد العهد، ويعود كيوم ولدته أمه..
إن هذه الأركان ليست مجرد شعائر تؤدى، بل هي أمانات عظيمة، من ضيعها فقد ضيع أعظم الأمانات، ومن وفى بها فقد وفى بعهده مع الله..
أيها المسلمون: وإذا كانت الأمانة تشمل الدين كله بجميع أركانه وفرائضه وواجباته، فإنها تمتد لتشمل جوارح الإنسان وأعضائه التي أودعها الله عنده، فهي أمانات عظيمة سيسأل عنها يوم القيامة، قال تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}(الإسراء:36).
فالسمع أمانة، فلا يستعمل في سماع الباطل من غيبة ونميمة ولهو محرم، والبصر أمانة، فلا يطلق إلى المحرمات، واليد أمانة فلا تمتد إلى الحرام، والرجل أمانة فلا تمشي إلى مواطن الفساد، واللسان أمانة فلا ينطق بالكذب والزور، والفرج أمانة فلا يستعمل إلا في الحلال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) رواه البخاري.
إن الجوارح والأعضاء من الأمانات وستشهد يوم القيامة على أصحابها، كما قال تعالى: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء}(فصلت:21)، فما أعظمها من شهادة، وما أشده من موقف، يوم ينطق السمع والبصر واللسان واليد والرجل بما كانوا يعملون.. فاحفظوا ـ رحمكم الله ـ هذه الأمانات، وصونوها عن الحرام، وأدوا حقها في طاعة الله..
عباد الله: ومن أعظم الأمانات التي أوكلها الله إلى عباده: رعاية الأهل والقيام بحقهم، فهي مسؤولية جسيمة وأمانة ثقيلة، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا}(التحريم:6)، فالمسلم مأمور أن يحفظ أهله من النار، بتعليمهم، وتربيتهم، ورعايتهم، والقيام بحقوقهم..
فالزوجة أمانة في عنق زوجها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واستوصوا بالنساء خيرا) رواه البخاري.
وقال أيضا: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها) رواه البخاري.
فالإحسان إلى الزوجة، والرفق بها، والقيام بحقها من النفقة والمعاشرة بالمعروف، كل ذلك من صور الأمانة التي يسأل عنها المرء يوم القيامة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) رواه ابن ماجه.
والأمانة في رعاية الأهل والزوجة ليست مجرد نفقة أو كسوة، بل معاملة بحب ورفق، وحماية من الفتن، وإحاطة بالرحمة والعدل، قال تعالى: {وعاشروهن بالمعروف}(النساء:19)..
ومن أعظم الأمانات التي حملنا الله إياها: أمانة الأبناء، فهي أمانة ثقيلة ومسؤولية جسيمة وهي داخلة في قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا}(التحريم:6)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، فما أعظمها من أمانة، وما أشدها من مسؤولية.
الأبناء أمانة في أعناقكم، ستسألون عنهم يوم القيامة، هل ربيتموهم على الإيمان والخلق؟ هل علمتموهم الصلاة؟ هل كنتم لهم قدوة صالحة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) رواه أبو داود.
فترك الأبناء هملا بلا تربية ولا توجيه خيانة وتضييع للأمانة، ومن صور التفريط في هذه الأمانة أن نترك أبناءنا نهبا لوسائل التواصل المتعددة، التي تبث فيهم الفساد، وتغرس في قلوبهم الشهوات، وتسرق منهم أوقاتهم، وتبعدهم عن المساجد والقرآن، حتى صار كثير من شبابنا لا يعرفون بيوت الله إلا قليلا، ولا يأنسون بالقرآن إلا نادرا، بينما يقضون الساعات الطوال أمام الشاشات والهواتف، فاتقوا الله في أبنائكم، واغرسوا فيهم حب الله ورسوله، وعلموهم الصلاة والقرآن، ووجهوهم إلى الخير، وحصنوهم من الفتن، فإنهم زينة الحياة الدنيا، وأمانة ستسألون عنها بين يدي الله، قال تعالى: {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم}(الأنفال:28)..
قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه لرجل: "يا هذا، أحسن أدب ابنك، فإنك مسئول عنه، وهو مسئول عن برك"..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
اتقوا الله وأطيعوه، وأدوا جميع الأمانات وأولها وأعظمها حقوق الله عز وجل من صلاة وزكاة وصيام وحج وسائر الفرائض، وأدوا أمانة أعضائكم وجوارحكم بحفظها عن الحرام، وأدوا حقوق العباد من ودائع وأموال وأمانات، فإنها مسؤولية عظيمة بين يدي الله، ومن لم يؤد الأمانة في الدنيا أخذت منه يوم القيامة..
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة" ثم قال: "الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن والكيل أمانة، وأشياء عددها وأشد ذلك الودائع"، وتضييع الأمانة خيانة وخصلة من النفاق، قال صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) رواه البخاري.
فاتقوا الله ـ عباد الله ـ في أماناتكم، وأدوا الحقوق إلى أهلها، واغرسوا هذا الخلق العظيم في نفوسكم ونفوس أبنائكم، فإن الأمانة أساس الدين، وميزان الإيمان، وسبب من أسباب النجاة يوم يقوم الناس لرب العالمين، واعلموا أن من ضيع أمانته فقد ضيع إيمانه، ومن حفظها فقد حفظ إيمانه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا إيمان لمن لا أمانة له).
فالأمانة الأمانة.. بمفهومها الشامل، فلنعمقها في قلوبنا، ولنربي عليها أبناءنا، ولنجعلها شعار حياتنا، حتى نلقى الله وهو راض عنا، {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم}(الشعراء:89:88)..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..

المقالات

