مراقبة الله في السر والعلن

0 0

الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الرقيب الشهيد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي ربى أصحابه على مراقبة الله في السر والعلن، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أوصيكم عباد الله بتقوى في السر والعلن {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]، {واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم} [البقرة: 282]، {ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2-3]. أما بعد:
 
عباد الله: إن من أعظم المقامات التي يصل بها العبد إلى صلاح قلبه واستقامة سلوكه، مقام مراقبة الله تعالى في السر والعلانية، أن يعيش العبد وهو مستحضر أن الله تعالى يراه في كل حال، ويعلم سره ونجواه، ويطلع على حركاته وسكناته، فلا يغيب عنه طرفة عين، قال الله تعالى: {ألم يعلم بأن الله يرى} [العلق: 14]، فإذا استقر هذا المعنى في القلب، تغيرت حياة الإنسان كلها، فأصبح يحاسب نفسه قبل أن يحاسب، ويزن أقواله وأفعاله بميزان رضا الله تعالى، لا بميزان رضا الناس، وهذه هي حقيقة الإحسان التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) رواه مسلم. فالمراقبة ليست مجرد أمر ذهني، بل هي حياة يعيشها المؤمن، تثمر في قلبه خشية، وفي جوارحه استقامة، وفي سلوكه انضباطا.
 
أيها المسلمون: إن أعظم ما تظهر فيه مراقبة الله تعالى حال الخلوة، حين يغيب نظر الناس، وتخلو الساحة من الرقيب البشري، وينفرد العبد بنفسه، فلا يراه أحد من الخلق، ولا يسمع له أحد، وهنا يكون الامتحان الحقيقي للإيمان، إذ ينكشف صدق العبد أو ضعفه، وثباته أو تزلزله، قال الله تعالى: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله} [النساء: 108]، فكم من إنسان يظهر أمام الناس بصورة الصالحين، فإذا خلا بنفسه تجرأ على محارم الله تعالى، وانتهك الحرمات، وترك الواجبات، وظن أنه بعيد عن الأنظار، وغفل أن الله تعالى أقرب إليه من حبل الوريد، وأنه مطلع عليه حيث كان، لا يغيب عنه شيء من أمره، سرا كان أو علانية. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباء منثورا، قال ثوبان: يا رسول الله، صفهم لنا، جلهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) رواه ابن ماجه. وإنه لأمر عظيم أن يكون للعبد ظاهر صالح، وباطن خال من المراقبة، ولذلك كان المؤمن الصادق هو الذي يستحي من الله تعالى في خلوته كما يستحي منه في علانيته، بل يكون في السر أشد خوفا وأعظم حذرا، لأنه يعلم أن نظر الله تعالى إليه في تلك اللحظة أتم وأدق، وأنه سبحانه لا تخفى عليه خافية، فيستقيم في خلوته قبل جلوته، ويجعل من وحدته مع نفسه ميدانا للطاعة لا للمعصية.
 
أيها المؤمنون: إن لمراقبة الله تعالى آثارا عظيمة في واقع الإنسان، فهي الحارس الذي لا ينام، والرقيب الذي لا يغيب، وهي التي تحفظ العبد من الوقوع في المعصية، وتمنعه من الظلم، وتردعه عن الحرام، وتجعل له ميزانا داخليا يزن به أفعاله قبل أن يسأل عنها، فالموظف الذي يراقب الله تعالى لا يخون الأمانة، ولا يتهاون في عمله، لأنه يعلم أن الله تعالى مطلع عليه، وإن غاب عنه المدير أو الرقيب، والتاجر الذي يراقب الله تعالى لا يغش ولا يحتكر ولا يخدع، لأنه يعلم أن الرزق بيد الله تعالى، وأن الحرام ممحوق البركة، والطالب الذي يراقب الله تعالى لا يغش في امتحانه، لأنه يعلم أن النجاح الحقيقي ليس في ورقة تملأ، بل في رضا الله تعالى. ولهذا قال تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18]، فكل كلمة محسوبة، وكل فعل مكتوب، وكل موقف محفوظ، لا يضيع منه شيء، فكيف يستقيم حال من استحضر هذا المعنى العظيم؟ وكيف يجرؤ على المعصية من يعلم أن الله تعالى يراه ويسمعه ويعلمه في كل لحظة؟ إن استحضار هذه الحقيقة يجعل العبد يعيش حياة منضبطة، لا يظلم فيها أحدا، ولا يتعدى فيها على حق، لأنه يعلم أن وراء ذلك حسابا دقيقا وجزاء عادلا.
 
عباد الله: ومن آثار مراقبة الله تعالى كذلك، أنها تغرس في القلب الصدق والإخلاص، فتصفو نية العبد، ويصح قصده، ويعمل العمل لا لأجل الناس، ولا طلبا لمدحهم أو ثنائهم، بل ابتغاء وجه الله تعالى وحده، فيستوي عنده السر والعلانية، ولا يتغير عمله بتغير نظر الناس إليه، بل يكون في الخفاء أصدق، وفي السر أخلص، لأنه يعلم أن الله تعالى هو الذي يراه ويجازيه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) رواه البخاري. فثمرة المراقبة: دمعة في الخلوة لا يراها أحد، وخشية في السر لا يطلع عليها أحد، لكنها عند الله تعالى عظيمة، لأن صاحبها لم يعملها رياء ولا سمعة، وإنما عملها صدقا وإخلاصا. فالمراقبة تجعل للعبد أعمالا خفية بينه وبين الله تعالى، هي سبب نجاته يوم القيامة، حين لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
 
أيها المسلمون: واقعنا اليوم أحوج ما يكون إلى مراقبة الله تعالى، في زمن كثرت فيه المغريات، وسهلت فيه المعاصي، خاصة في هذه الخلوات الرقمية التي ينفرد فيها الإنسان بهاتفه أو جهازه بعيدا عن أعين الناس، فيظن أنه في مأمن من الرقابة، وينسى أن الله تعالى يقول: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} [غافر: 19]، فكل نظرة محسوبة، وكل خاطر معلوم، وكل حركة مرصودة، لا تخفى على الله تعالى. فهنا يظهر صدق الإيمان: هل يراقب العبد ربه في خلوته كما يراقبه في علانيته؟ هل يستحي من نظر الله تعالى إليه أم يجرؤ على معصيته إذا غاب نظر الناس؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت) رواه الترمذي. أي في السر والعلن، في الخفاء والظهور، فهذه هي التقوى الحقيقية. والخلوات هي ميزان الصدق، فمن راقب الله تعالى فيها استقام ظاهره، ومن تهاون فيها ضعف إيمانه، فليتق الله كل واحد منا في خلواته، وليجعلها ميدان طاعة لا معصية، فإن من أصلح سريرته أصلح الله تعالى علانيته، ومن حفظه الله تعالى في السر حفظه في العلن، وجعل له نورا في قلبه، وبركة في حياته.
 
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
 
 
الخطبة الثانية
 
 
الحمد لله الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم ما في الصدور، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

 

أما بعد، عباد الله: مراقبة الله تعالى في السر والعلانية هي أصل صلاح الفرد، وأساس استقامة المجتمع، فمن راقب الله أصلح نفسه، ومن أصلح نفسه أصلح الله به غيره، وإذا غابت المراقبة، ظهرت الخيانة، وانتشر الفساد، وضاعت الأمانات، وضعف الوازع الديني، ولذلك كان السلف الصالح يربون أنفسهم على هذا المعنى العظيم، فيخافون الله في السر كما يخافونه في العلن، ويحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا، ويزنون أعمالهم قبل أن توزن عليهم. فاتقوا الله عباد الله، وراقبوه في السر والعلانية، في أقوالكم وأفعالكم، في بيوتكم وأعمالكم، واعلموا أن الله يراكم حيث كنتم، فاستحيوا منه حق الحياء، وأحسنوا أعمالكم، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا؛ فاللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة، اللهم اجعلنا ممن يراقبونك في السر والعلانية، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.
 
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة