- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
من أعظم الآفات التي تفتك بالقلوب، وتفسد السلوك، وتهدد روابط المجتمع، داء خفي يتسلل إلى النفوس فيغمرها بالغرور، حتى يرى الإنسان نفسه فوق الخلق جميعا، وينظر إلى غيره بعين النقص والاحتقار، فلا يقيم للناس وزنا ولا يضع للحق قدرا، إنه الكبر، ذلك المرض الخطير الذي يسلب الفضائل ويكسب الرذائل، ويعمي البصيرة عن رؤية الحق، ويصد المرء عن النظر في عيوبه وقبول النصح.
الكبر يزرع بذور العداوة في القلوب، ويهدم جسور المحبة، فلا يرى المتكبر غيره إلا صغارا، ولا يرى نفسه إلا عظيما، حتى يصبح أسيرا لوهم العظمة، بعيدا عن التواضع، رادا للحق، محتقرا للخلق، وهو طريق مظلم يبعد عن الفضائل ويسقط في الرذائل، وهو من أخطر أمراض القلوب التي تحبط العمل وتطرد صاحبها من رحمة الله..
وقد حرم الله تعالى الكبر وتوعد المتكبرين بأشد العقاب في كتابه الكريم، حيث قال سبحانه: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا}(النساء:36)، وقال تعالى: (لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين}(النحل: 23)، بل وجعل جهنم مأوى للمتكبرين كما في قوله سبحانه: {فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين}(النحل:29).
وحذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من الكبر تحذيرا شديدا، وبين لنا خطورته في أحاديث كثيرة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر ) رواه البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان) رواه الترمذي، وقال صلى الله عليه وسلم: (احتجت الجنة والنار، فقالت الجنة: يدخلني الضعفاء والمساكين، وقالت النار: يدخلني الجبارون والمتكبرون) رواه الترمذي.
ووضع لنا صلى الله عليه وسلم الميزان الدقيق لتعريف الكبر، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق ، وغمط الناس) رواه مسلم.
هذا الوعيد الشديد للمتكبر ينبع من كون العزة والكبرياء صفة خالصة لله وحده، ومن ينازعه فيهما يهلك، ويتكبر على عباد الله، فإن الله يعذبه جراء ما صنع ونازع الله تعالى فيما يختص به، فقد جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى قال: (العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته) رواه مسلم.
ولذلك كان سلفنا الصالح يحذرون من الكبر أشد التحذير، إذ يرون أنه داء يفسد القلب ويهدم الدين ويقطع روابط الأخوة بين الناس.. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "لا يحقرن أحدا من المسلمين، فإن صغير المسلمين عند الله كبير"، وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لابنه محذرا: "يا بني، إياك والكبر. وليكن فيما تستعين به على تركه: علمك بالذي منه كنت، والذي إليه تصير، وكيف الكبر مع النطفة التي منها خلقت، والرحم التي منها قذفت، والغذاء الذي به غذيت؟!".
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "الهلاك في اثنتين: القنوط والعجب"، وقال الأحنف بن قيس: "عجبت لمن يجري في مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟"، وقال الفضيل بن عياض: "ما حجبت القلوب عن الحق مثل الكبر"، وقال سفيان الثوري: "من تكبر على الناس ذل، ومن تواضع لهم عز"..
أيها المؤمنون: الكبر ينقسم إلى أقسام متعددة، أشدها وأفحشها الكبر على الله تعالى، وهو أن يستنكف العبد عن عبادة الله ويزعم لنفسه ما لا يليق إلا بالله عز وجل، كتكبر فرعون ونمرود حيث استنكفا أن يكونا عبدين له تعالى، وادعيا الربوبية، قال تعالى: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}(غافر:60) أي: أذلاء صاغرين..
ومن أنواعه: الكبر على رسل الله، وذلك بالامتناع عن الانقياد لهم ولأوامرهم تكبرا وجهلا وعنادا، كما فعلت الأمم المكذبة من قبل، وهو من أعظم أسباب الحرمان والهلاك..
ثم يأتي الكبر على العباد، وهو أن يستعظم المرء نفسه ويحتقر غيره ويزدريه، فيأنف من مساواته أو يترفع عليه، وهذا وإن كان دون الأولين في الإثم إلا أنه عظيم وخطير، فكل هذه الأنواع تبعد عن رحمة الله، وتفتح أبواب جهنم على أصحابها، كما قال تعالى: {فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين}(النحل:29).
من أراد علاج هذا الداء الخطير عليه أن يعرف ربه أولا، ثم يعرف نفسه ثانيا، فإنه إذا عرف ربه حق المعرفة، علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بالله جل وعلا، وإذا عرف نفسه علم أنه ضعيف ذليل، لا يليق به إلا الخضوع لله والذلة والتواضع لرب العالمين، قال الله تعالى: {قتل الإنسان ما أكفره * من أي شيء خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ثم السبيل يسره * ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء أنشره}(عبس:17-22)، وقال سبحانه: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا}(الإنسان:1)، في هذه الآيات إشارة إلى بداية خلق الإنسان وإلى آخر أمره وإلى وسط أمره، أما أوله فإنه لم يكن شيئا مذكورا، وقد كان في حيز العدم دهورا، ثم خلقه العزيز الحكيم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم جعله عظاما، ثم كسا العظام لحما، ثم لما استتم الخلق جعله سميعا بعد أن كان أصم، وبصره بعد أن كان فاقد البصر، وقواه بعد أن كان ضعيفا، وعلمه بعد أن كان جاهلا، فمن كان هذا أوله، وهذه أحواله فمن أين له البطر والغرور والكبرياء والخيلاء، وهو الضعيف الحقير بالنسبة إلى قدرة الباري جل وعلا؟!
وأما آخر أمره فالموت الذي يعيده جمادا كما كان! فهذا الإنسان الذي يجول ويصول تنزع روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحواسه وإدراكه وحركاته وجماله وجميع أحواله، فيعود جمادا كما كان أولا، لا يبقى إلا شكل أعضائه وصورته، ولا حركة فيه، ثم يهال عليه التراب، فيصير جيفة منتنة كما كان في الأول نطفة قذرة، فتبلى أعضاؤه، وتتفتت أجزاؤها، وتنخر عظامه، ويأكل الدود أجزاءه، ويستقذره الإنسان، وأحسن أحواله أن يعود ترابا كما كان، ثم يحييه الذي خلقه أول مرة، فيقاسي البلاء والشدائد، والأهوال والمزعجات فيخرج من قبره كما أخبر الله تعالى: {يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون}(المعارج:43-44)، فينظر إلى القيامة قائمة، والسماء منشقة، والأرض مبدلة، والجبال مسيرة، والنجوم منكدرة، والشمس منكسفة، والملائكة غلاظ شداد، وجهنم تزفر، فيا ويل المجرمين والمتكبرين مما أمامهم في ذلك اليوم العظيم!
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، عباد الله:
الكبر من الأخلاق المذمومة المرذولة، وهو يعني استصغار الناس واحتقارهم، وجحود الحق ورده والاستعلاء عن قبوله، به اتصف إبليس وامتنع من الانقياد لأمر الله، وقد قال الله تعالى: {إنه لا يحب المستكبرين}(النحل:23).
وللكبر في حياتنا صور كثيرة ربما خفي علينا بعضها، من المتكبرين من يتعالى ويتكبر على الضعفاء والفقراء، أو يحتقر البسطاء من العمال وغيرهم.. ومنهم من يصده كبره عن قبول الحق إذا دعي إليه، فيرد النصيحة استعلاء.. ومنهم من يزن منازل الرجال بالمظاهر والجاه والأموال، ذاهلا عن الميزان النبوي الصحيح بأن الله لا ينظر إلى الصور والأموال، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال..
فلنحذر كل الحذر من الكبر، ولنجاهد أنفسنا على التواضع، فإن التواضع يرفع صاحبه عند الله وعند الناس، والكبر لا يزيد صاحبه إلا ذلا وصغارا، قال الله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين}(القصص:83)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) رواه مسلم.
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..

المقالات

