- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العقيدة
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1] {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم} [الأحزاب: 70-71]
أما بعد، عباد الله: من القواعد العظيمة في هذا الدين، التي يجب أن تفهم وترسخ في القلوب، أن النقل الصحيح لا يمكن أن يعارض العقل الصريح، لأن الذي أنزل الوحي هو الذي خلق العقل، فكيف يتعارض كلام الله تعالى مع خلقه؟! وكيف يتناقض شرع الله تعالى مع فطرة الإنسان التي فطره عليها؟! فهذا الدين جاء ليهدي العقول، لا ليصادمها، وجاء ليقوم التفكير، لا ليبطله، ويضبط مساره، لا ليعطله، ولذلك امتلأ القرآن بالدعوة إلى النظر والتفكر والتدبر، فقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن} [النساء: 82]، وقال تعالى: {أفلا يعقلون} [يس: 68]، وقال تعالى: {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الرعد: 3]، فدعا إلى إعمال العقل، وحث على التأمل في آيات الله تعالى الكونية والشرعية، لأن هذا الدين لا يخشى من العقل الصحيح، بل يخاطبه ويهديه. ولهذا كان من أصول أهل السنة أن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، وأن التعارض إنما يقع بسبب أحد أمور ثلاثة: إما ضعف الفهم، أو عدم ثبوت النص، أو فساد في طريقة التفكير وانحراف عن الفطرة، وإلا فالوحي حق، والعقل السليم لا يعارض الحق.
أيها المسلمون: إن المشكلة ليست في العقل ذاته، بل في طريقة استخدامه، فالعقل نعمة عظيمة، لكنه قد ينحرف إذا لم يهذب بالوحي، فكم من إنسان قدم هواه على عقله، فظن أنه يفكر وهو في الحقيقة يتبع رغباته، وكم من آخر ظن أن عقله المحدود قادر على إدراك كل شيء، فدخل في الغيبيات بعقله، فضل وأضل، مع أن الله تعالى بين حدود العقل، فقال سبحانه: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} [البقرة: 255]، وقال تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85]، فالعقل له حدوده، كما أن البصر له حدوده، فلا يرى ما وراء الجدران، ولا يدرك ما وراء الأفق، وكذلك العقل لا يدرك كل الغيوب، ولا يحيط بحكمة الله تعالى في كل أمر، ولهذا كان من الخطأ أن يجعل العقل حاكما على الوحي، بل الواجب أن يكون تابعا له، مستنيرا بنوره، مستفيدا من هدايته، فإذا جاء النص الصحيح، سلم له العقل، وعلم أن وراءه حكمة، وإن لم يدركها في الحال.
أيها المؤمنون: من أعظم صور الانحراف في هذا الباب، أن يقدم الإنسان رأيه على نصوص الشرع، فيرد الحديث الصحيح، أو يؤول الآيات لتوافق هواه، ويزعم أن ذلك من باب "العقلانية" أو "التجديد"، وهو في الحقيقة اتباع للهوى، وقد حذر الله تعالى من هذا المسلك فقال: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} [القصص: 50]، وقال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: 23]، فليس كل ما يسمى عقلا يكون عقلا صحيحا، بل قد يكون هوى ملبسا باسم العقل، ولذلك كان العقل الصحيح هو الذي يهتدي بنور الوحي، ويقف عند حدوده، ويعلم أن ما جاء عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا يعارض، ولا يقدم عليه رأي ولا قياس، قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36]، فمن سلم للوحي سلم عقله، ومن عارض الوحي بعقله ضل في فكره وحياته، لأن العقل إذا استقل دون هدى، تاه في الظنون، واضطرب في الأحكام، أما إذا استنار بالوحي، اهتدى إلى سواء السبيل.
عباد الله: من تأمل نصوص الشريعة حق التأمل، ونظر فيها بعين الإنصاف والتجرد، وجدها في غاية الحكمة والإحكام، موافقة للفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، محققة للمصالح في الدنيا والآخرة، دافعة للمفاسد قبل وقوعها أو مقللة لها بعد حدوثها، قائمة على العدل والرحمة، لا على العبث والاضطراب، قال تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14]، فالشريعة من عند العليم الخبير، ولا يمكن أن تأتي بما يناقض العقل السليم، ولا بما يفسد حياة الناس، وإنما يقع الوهم بالتعارض عند بعض الناس بسبب قصور علمهم، أو ضيق نظرهم، أو استعجالهم في الحكم، أو تأثرهم بثقافات دخيلة تقدم العقل البشري المحدود على الوحي الإلهي الكامل، فيظنون أن هناك تعارضا، وليس الأمر كذلك، بل لو ازدادوا علما، واتسع فهمهم، وتجردوا عن الهوى، لعلموا أن كل ما جاء به الشرع حق، وأنه في غاية الانسجام مع العقل الصريح، وأن ما خفيت حكمته اليوم قد تظهر غدا، وما جهلته العقول الآن قد تدركه بعد حين، قال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} [فصلت: 53].
أيها المسلمون: الواجب علينا أن نعظم نصوص الوحي تعظيما يليق بها، وأن نحسن الظن بها، وأن نوقن يقينا جازما أن الله تعالى أعلم بما يصلح عباده، وأحكم في شرعه من كل عقول البشر، فلا نقابل النصوص بالاعتراض، ولا نردها بعقولنا القاصرة، بل نتلقاها بالقبول والتسليم، ثم نجتهد في فهمها، ونبحث عن حكمتها، فإن ظهرت لنا حمدنا الله تعالى على ما علم، وإن لم تظهر لنا قلنا كما قال أهل الإيمان: {آمنا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 7]، لأن العبد الصادق لا يجعل جهله حاكما على النص، ولا يجعل قصور فهمه معيارا للحق، بل يعلم أن فوق كل ذي علم عليم، وأن الحكمة قد تخفى ولا تنتفي، وأن الشرع كله حق وعدل ورحمة، فمن سلم للوحي سلم عقله، ومن عارضه بعقله ضل في فهمه واضطرب في حكمه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله تعالى على نعمة الإسلام، وعلى نعمة العقل الذي به نفقه الدين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله تعالى وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد،عباد الله: النقل الصحيح والعقل الصريح متكاملان لا متعارضان، فالوحي يهدي العقل، والعقل يفهم الوحي، ومن جمع بينهما اهتدى، ومن فرق بينهما ضل، فاحرصوا على تعلم دينكم من مصادره الصحيحة، وفهم النصوص فهما سليما كما فهمها سلف الأمة، ولا تغتروا بالشبهات التي تلبس على الناس، فإن الحق واضح، والباطل زائل. وإن من أعظم أسباب السلامة في هذا الباب، ومن أوثق ما يحفظ على العبد دينه وعقله، أن يرجع إلى أهل العلم الراسخين، الذين جمعوا بين فهم النصوص ومعرفة مقاصدها، وبين إدراك حدود العقل وضوابطه، وأن لا يستقل بفهم النصوص استقلالا يوقعه في الزلل، فإن النصوص تحتاج إلى فقه وبصيرة، لا إلى مجرد قراءة سطحية أو فهم عاجل، قال تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43]، وقال تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ۖ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83]، فدل ذلك على أن للفهم أصوله وضوابطه ومرجعياته، وأن رد الأمور إلى أهلها سبب للسلامة من الخطأ. كما أن من أعظم أسباب النجاة أن لا يقدم العبد رأيه على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا يجعل عقله حاكما على الوحي، بل يجعل الوحي هو الأصل، والعقل تابعا له، مستنيرا بنوره، ففي ذلك العصمة من الضلال، والسلامة من الانحراف، والنجاة في الدنيا والآخرة، ومن خالف ذلك وركن إلى رأيه، أو أعجب بعقله، ضل حيث ظن أنه اهتدى.
فتمسكوا بالوحي - أيها المؤمنون- وأحسنوا استخدام عقولكم، واجعلوها خادمة للشرع لا حاكمة عليه، فإن في ذلك سعادة الدنيا والآخرة.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقالات

