- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العقيدة
الخطبة الأولى
الحمد لله تعالى الذي جعل الإيمان نورا للقلوب، وحياة للنفوس، وحرزا من الفتن، وعصمة من الزلل، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله تعالى وحده لا شريك له، جعل في هذا الدين هدى لمن تمسك به، ونجاة لمن اعتصم به، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وحذر الأمة من الفتن ما ظهر منها وما بطن، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1] {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ۗ ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70-71]
أما بعد، عباد الله: إن من أعظم ما يبتلى به العبد في هذه الحياة كثرة الفتن وتنوعها، فمنها ما يطرق القلوب فيفسدها، ومنها ما يهاجم العقول فيضلها، ومنها ما يستميل النفوس بالشهوات حتى تضعف أمامها، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه) رواه مسلم. فالقلب يتعرض لهذه الفتن مرة بعد مرة، فإن لم يكن له حصن يحميه، ودرع يقيه، تسربت إليه الفتن حتى تفسده. وليس هناك حماية أعظم من حصن الإيمان الصحيح، ولا وقاية أمنع من سد العقيدة الراسخة، فالإيمان إذا استقر في القلب، صار نورا يهدي صاحبه، ويثبته عند الزلل، ويمنعه من الانحراف، وأما إذا ضعف أو اختل، فإن العبد يصبح عرضة لكل شبهة، ونهبا لكل شهوة، ولذلك كان الإيمان الصحيح أساس النجاة، وعماد الثبات، وسبب الاستقامة في زمن كثرت فيه المغريات، وتعددت فيه الشبهات.
أيها المسلمون: إن فتن الشبهات هي أخطر ما يواجه الإنسان في هذا العصر، لأنها تستهدف عقيدته وتصوره، فتلبس عليه الحق بالباطل، وتجعله يشك في الثوابت، أو يضعف يقينه بما جاء في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ۗ وما يعلم تأويله إلا الله ۗ والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ۗ وما يذكر إلا أولو الألباب} [آل عمران: 7]. فصاحب القلب المريض يتبع الشبهات، ويبحث عن المتشابه ليبرر انحرافه، أما صاحب الإيمان الصحيح فإنه يرد المتشابه إلى المحكم، ويثبت على الحق، ولا يضطرب، لأنه يعلم أن هذا الدين كامل، وأن الحق فيه واضح، وأن الشبهة لا تقوم أمام العلم الصحيح، ولهذا كان من أعظم أسباب الوقاية من الشبهات طلب العلم الشرعي، والرجوع إلى أهل العلم، وعدم أخذ الدين من كل متكلم، أو متصدر في وسائل الإعلام، فإن من لم يكن له علم يحصنه، سهل أن تنطلي عليه الشبهات، وتزل به القدم.
أيها المؤمنون: وأما فتن الشهوات فهي التي تميل إليها النفوس، وتنجذب إليها القلوب، من محرمات تزين، ومغريات تعرض، حتى يقع الإنسان فيها وهو يعلم، لكنه يضعف أمامها، وهذه الفتن لا يدفعها إلا إيمان حي، يربط القلب بالله تعالى، ويجعله يستحي من ربه، ويخاف عقابه، ويرجو ثوابه، قال تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 40-41]، فالإيمان هو الذي يكبح جماح النفس، ويمنعها من الانحراف، ويجعل صاحبها يقف عند حدود الله تعالى، فلا يتجاوزها، ولو تهيأت له أسباب المعصية، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) رواه البخاري، فالشهوة سهلة قريبة، لكن عاقبتها وخيمة، ولا ينجو منها إلا من قوي إيمانه، وعظم خوفه من الله تعالى، واستحضر نظر الله تعالى إليه في كل حال.
عباد الله: ,أعظم ما يضعف الإيمان ويجعل العبد عرضة لهذه الفتن، الغفلة عن الله تعالى، والبعد عن الطاعات، والانغماس في الدنيا، فإن القلب إذا خلا من ذكر الله تعالى امتلأ بغيره، وإذا ضعف الإيمان، قويت الشهوة، وسهلت الشبهة، ولهذا قال الله تعالى: {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} [الحشر: 19]، فالغفلة بداية الانحراف، والذكر بداية الاستقامة، ومن أعظم وسائل تقوية الإيمان: المحافظة على الصلاة، وتلاوة القرآن، وكثرة الذكر، وصحبة الصالحين، والبعد عن مواطن الفتن، فهذه الأمور تقوي القلب، وتثبته، وتجعله قادرا على مواجهة التحديات، قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} [فصلت: 30]، فالاستقامة ثمرة الإيمان، ومن استقام ثبت، ومن ثبت نجا.
أيها المسلمون: من تأمل حال الناس اليوم، وجد أن كثيرا من الانحرافات الفكرية والسلوكية سببها ضعف الإيمان، فكم من إنسان وقع في الشبهات لأنه لم يتعلم دينه، وكم من آخر وقع في الشهوات لأنه لم يربط قلبه بالله تعالى، وكم من ثالث جمع بين الأمرين فاختلط عليه الحق بالباطل، وتسلطت عليه شهواته، فضعف وانهزم، ولو أن الإيمان كان قويا في قلبه، لكان حصنا له من ذلك كله، ولذلك فإن أعظم ما يجب أن نهتم به في أنفسنا وأهلينا هو تقوية الإيمان، لأنه الأصل الذي ينبني عليه كل خير، فإذا صلح الإيمان صلح العمل، وإذا فسد الإيمان فسد كل شيء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب) رواه البخاري.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله تعالى على نعمة الإيمان، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله تعالى وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد،عباد الله: الإيمان الصحيح هو الحصن الحصين الذي يحفظ العبد من فتن الشبهات والشهوات، وهو السور المنيع الذي إذا احتمى به المؤمن لم تنفذ إليه الفتن، ولم تتسلل إلى قلبه الانحرافات، فمن قوي إيمانه وثبت يقينه، ثبت على الحق عند ورود الشبهات، فلم تزلزله الأفكار المنحرفة، ولم تخدعه الأقوال الملبسة، بل ردها إلى أصول الدين، وتمسك بالمحكمات، وعلم أن الحق واحد لا يتعدد، وأن الهدى فيما جاء به كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وكذلك من قوي إيمانه، كبح جماح شهواته، فلم ينقد لها، ولم يستسلم لرغباته، بل جعل خوفه من الله تعالى ورجاءه فيما عنده حاجزا بينه وبين المعصية، فاستقام في حياته، وثبت على طاعة ربه، أما من ضعف إيمانه، فإن قلبه يكون عرضة لكل فتنة، تزلزله الشبهة، وتغلبه الشهوة، فينحرف في فكره أو سلوكه، وربما جمع بين الأمرين، فيقع في الضلال وهو لا يشعر. ولهذا كان من أعظم ما ينبغي على العبد أن يحرص عليه تقوية إيمانه بالعلم النافع، والعمل الصالح، وكثرة ذكر الله تعالى، والمحافظة على الطاعات، والبعد عن مواطن الفتن، فإن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وإذا قوي صار لصاحبه نورا وهدى، وإذا ضعف صار سببا في الانحراف والزلل، فاحرصوا – عباد الله – على هذا الحصن العظيم، فإن النجاة كل النجاة في لزومه، والهلاك كل الهلاك في التفريط فيه.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقالات

