حال النبي صلى الله عليه وسلم مع الدعاء

0 0

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أما بعد، أيها المسلمون: الدعاء نافذة مفتوحة للخير، يدفع به البلاء، وتتحقق به الرغبات، وسلاح في الشدة والرخاء، وسهم لا يخطئ هدفه، ودواء لأحزاننا، وجسر لعبور أزماتنا، ونور يضيء لنا طريق الحياة، وهو أساس العبادة وروحها، وما قرعت أبواب السماء بمثله، ويحبه الله..
وقد أمرنا الله بالدعاء في كل حاجاتنا، صغيرها وكبيرها، في أمور دنيانا لييسرها لنا، وفي أمور آخرتنا ليغفر لنا، ويقبل توبتنا، ويدخلنا الجنة، قال الله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}(البقرة:186)، وهذا جواب سؤال سأله بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: (يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزل: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب})، والقرب نوعان: قرب بعلمه من جميع خلقه، وقرب من عابديه وداعيه، بالإجابة والمعونة والتوفيق.. ولما أمرنا الله بالدعاء وعدنا بإجابته، قال تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون}(النمل:62)، وقال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم}(غافر:60). قال ابن كثير: "هذا من فضله تبارك وتعالى وكرمه، أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة، كما كان سفيان الثوري يقول: يا من أحب عباده إليه من سأله فأكثر سؤاله، ويا من أبغض عباده إليه من لم يسأله ـ وليس أحد كذلك غيرك يا رب ـ، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:

الله يغضب إن تركت سؤاله .. وبني آدم حين يسأل يغضب "، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من لم يسأل الله يغضب عليه) رواه الترمذي.

والدعاء من أفضل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، والله يحب أن يدعو ويسأل، ويحب أن يسمع صوت عبده، ويحب أن يرى يديه مرفوعتين إليه، وما أجمل أن يعيش المسلم بهذا الشعور، فيرى أن الله قريب منه، يسمع أنينه، ويستجيب دعاءه، ويمنحه من فضله ما لا يخطر على بال..

وإذا كان الدعاء بهذه الأهمية الكبيرة والمنزلة العظيمة، فما أحوجنا أن نتأمل في حياة سيد الداعين وإمام المتقين صلى الله عليه وسلم، لنرى كيف كان الدعاء حاضرا في سيرته وحياته، ملازما له في كل أحواله..

أيها المؤمنون: لقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يحثنا دائما على الدعاء، ويبين لنا فضله، ويحذرنا من تركه، حتى قال: (الدعاء هو العبادة، ثم قال: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}(غافر:60)) رواه الترمذي. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفرا) رواه ابن ماجه.. فالدعاء إذا ليس أمرا ثانويا، بل هو روح العبادة وأساسها، وهو علامة الافتقار إلى الله والذل والانكسار بين يديه، ومن أراد الله به خيرا فتح له باب الدعاء، وإذا كان هذا هو حال الدعاء، فما أحوجنا ألا نغفل عنه في شدة ولا رخاء، ولا نتركه في حاجاتنا الصغيرة قبل الكبيرة، خاصة ونحن نعيش في زمن كثرت فيه الفتن، وتعددت فيه أسباب القلق، فيظل الدعاء ملاذا آمنا يربط قلب المسلم بربه، ويمنحه الطمأنينة والسكينة، ويعينه على مواجهة الابتلاءات والأزمات وضغوط الحياة..

ولما كان الداعي يناجي ربه ويسأله، كان لزاما عليه أن يتأدب بآداب الدعاء، فبحسن الأدب يلبى الطلب، وبتتبع الهدي النبوي يظهر لنا الكثير من الآداب في دعائنا، ومنها: رفع اليدين بخشوع، والبدء بحمد الله، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والسؤال بأسماء الله الحسنى، والإلحاح في الدعاء وتكراره مع اليقين بالاستجابة، وتقديم التوبة والاعتراف بالذنب، والدعاء في السراء والضراء، وعدم الاستعجال أو الدعاء بإثم أو قطيعة رحم، والدعاء بالمأثور من القرآن والسنة، وإذا صادف الدعاء وقتا من أوقات الإجابة: كليلة القدر، والثلث الأخير من الليل، وبين الأذان والإقامة، وبعد الصلوات المفروضة، وعند صعود الإمام المنبر، وآخر ساعة بعد عصر الجمعة، ووقت نزول المطر، وفي السجود، وعند زيارة المريض، فانه لا يكاد يرد أبدا..

وإذا كان الله تعالى بحكمته جعل لكل شيء في هذه الدنيا سببا، فجعل الولد يأتي بالزواج، والمريض يشفى بالدواء، فكذلك جعل القضاء يرد بالدعاء، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يرد القضاء إلا الدعاء) رواه الترمذي، وقال أيضا: (إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء) رواه الترمذي.

وقد بين العلماء أن الدعاء من أنفع الأسباب والأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، أو يرفعه أو يخففه إذا نزل، وهذا المعنى يفتح لنا بابا عظيما للرجاء والأمل، فكم من بلاء يوشك أن ينزل فيدفعه الدعاء، وكم من مصيبة تخف حدتها بفضل الدعاء، وكم من مرض شديد وهم كبير يزول حين يرفع العبد يديه إلى ربه سبحانه..

ومن أحوال نبينا صلى الله عليه وسلم مع الدعاء أنه كان يتفاعل مع الآيات الكونية التي تقع من حوله بالدعاء، فإذا عصفت الريح قال: (اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به) رواه مسلم، وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى المطر، سأل الله تعالى أن يكون مطرا نافعا للعباد والبلاد، وليس مطر عذاب أو هدم أو غرق فقال: (اللهم صيبا نافعا) رواه البخاري. ومع كسوف الشمس وخسوف القمر كان يصلي ويدعو، ومع الجدب والقحط كان يصلي صلاة الاستسقاء ويدعو الله بنزول الغيث.. وهذا التفاعل النبوي يعلمنا أن الدعاء ليس مرتبطا فقط بحاجاتنا الخاصة، بل هو أيضا تفاعلا مع الظواهر الكونية، لنعيش مع الكون في عبودية لله، ونربط كل ما نراه ونشهده بقدرة الله ورحمته، فنزداد يقينا وخشية، ونزداد تعلقا بالله في حياتنا اليومية..

والمتأمل في السيرة النبوية يجد أن الدعاء كان حاضرا بقوة في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وجهاده، يثبت به قلوب أصحابه، ويستمد به النصر من الله عز وجل، كما دعا في غزوة بدر وأحد والأحزاب، وهو القائل: (ثنتان لا تردان أو قلما تردان الدعاء عند النداء وعند البأس ) رواه أبو داود

فالدعاء في السيرة النبوية، مقرونا بالصبر والثبات والتقوى، من أعظم ما يستجلب به الفرج والنصر، وهو زاد المؤمن في مواجهة الشدائد والتحديات، وما أحوجنا اليوم إلى أن نجمع بين الدعاء والعمل، فنأخذ بالأسباب المادية من إعداد العدة للأعداء، والتداوي عند المرض، والسعي في طلب الرزق والمعاش، مع رفع أكفنا إلى الله تعالى، ليجتمع العمل والدعاء فيكونان سببا للفرج والنصر..

وليس الدعاء شأنا فرديا فحسب، بل نرفع به أكفنا للمسلمين ـ أفرادا ومجتمعا وأمة ـ بالفرج والنصر، والأمن والاستقرار، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه مسلم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون: 

الدعاء في سيرة وحياة النبي صلى الله عليه وسلم سبب عظيم لجلب الخيرات والبركات، ودفع البلاء والشرور.. قال ابن تيمية: "اتفق سلف الأمة على أن الدعاء من أعظم الأسباب في حصول المطلوب ودفع المرهوب، وإذا أراد الله بعبد خيرا ألهمه دعاءه والاستعانة به، وجعل استعانته ودعاءه سببا للخير الذي قضاه له، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه".

فعلينا ألا نغفل أبدا عن الدعاء مع الأخذ بالأسباب، وإذا لم نر أثر الإجابة لدعائنا فلنعلم أن الله صرف عنا من السوء ما هو أنفع، أو ادخر لنا في الآخرة ما هو أعظم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يدعو، ليس بإثم و لا بقطيعة رحم إلا أعطاه إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها، قال (أحد الصحابة): إذا نكثر (من الدعاء)، قال: الله أكثر) رواه أحمد.

واعلموا أن استجابة الدعاء لا تتوقف على خلو العبد من الذنوب، وإلا لما استجاب الله لأحد، فلا تتركوا الدعاء بسبب تقصيركم وذنوبكم، مع اجتناب موانع استجابة الدعاء كالإصرار على المعاصي وأكل الحرام، قال سفيان بن عيينة: "لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلمه من نفسه (من ذنوب)، فإن الله تعالى أجاب شر المخلوقين إبليس إذ: {قال أنظرني إلى يوم يبعثون * قال إنك من المنظرين}(الأعراف:15:14)"، وقال صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة)..

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة