ثقافة القطيع.. حين يُصادَر رأي الفرد!!

0 0

في كل عصر كانت الأمم تبتلى بألوان من الاستعباد؛ مرة بالسيف، ومرة بالفقر، ومرة بالاستبداد السياسي، غير أن أخطر أنواع الاستعباد جميعا هو ذلك الذي يتسلل إلى العقول بهدوء، حتى يفقد الإنسان قدرته على التفكير الحر، ويغدو تابعا للجماعة، يتحرك بإرادتها، ويغضب لغضبها، ويردد أفكارها دون أن يسائلها أو يمتحنها بعقله وضميره.
ومن هنا تنشأ "ثقافة القطيع"، لا بوصفها مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل باعتبارها أزمة حضارية تمس جوهر الإنسان ذاته.
إن الإنسان حين يتخلى عن وعيه النقدي يفقد ميزة من أهم الميزات التي كرمه الله بها؛ فقد كانت من أولى إشارات التكريم الإلهي للإنسان أن جعله يعقل ويفكر، ويميز؛ ولذلك لم يخاطب القرآن الإنسان بوصفه كائنا منقادا، بل بوصفه كائنا مفكرا مسؤولا، تتكرر في حقه النداءات القرآنية:{أفلا تعقلون}، {أفلا يتدبرون}، {لعلهم يتفكرون}.

فالإسلام لا يريد أتباعا يتحركون بالغريزة الجماعية، وإنما يريد إنسانا يبصر طريقه عن وعي وحجة.
ومن هنا كان القرآن شديد التحذير من الاندفاع خلف الأكثرية حين تنفصل عن الحق، قال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله}[الأنعام-116].
إنها آية تهدم الوهم الشائع الذي يربط بين الكثرة والصواب؛ فالتاريخ الإنساني يخبرنا أن الجماهير كثيرا ما انحازت إلى الباطل، وأن الأنبياء أنفسهم وقفوا في بدايات دعوتهم أفرادا في مواجهة تيارات اجتماعية جارفة.
لقد كانت "ثقافة القطيع" حاضرة في موقف الأمم من رسالات السماء؛ فالناس غالبا ما كانوا يرفضون الجديد لا لأنه باطل، بل لأنه يخالف المألوف؛ ولذلك سجل القرآن هذه النفسية البشرية في قوله تعالى: حكاية عن مكذبي الرسل {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون}[الزخرف 22].

فالإنسان أحيانا لا يتبع الفكرة، بل يتبع الاعتياد عليها، ويأنس لما ألفه الجمع حتى لو كان خطأ بينا.
فلقد كان أهل الجاهلية يتبعون داعي القبيلة حتى ولو دعا لباطل وظلم:

قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم        طاروا إليه زرافات ووحدانا لا يسألون أخاهم حين يندبهم     في النائبات على ما قال برهانا

وفي العصر الحديث لم تعد "ثقافة القطيع" تنتج داخل القبيلة أو السوق فقط، بل أصبحت تصنع عبر منظومات إعلامية هائلة، تمتلك قدرة غير مسبوقة على تشكيل الأذواق والقناعات والانفعالات، لقد أصبح الإنسان يعيش داخل موجات متلاحقة من الرأي العام، حيث تتحول الشهرة إلى معيار للحقيقة، وعدد المتابعين إلى شهادة فكرية، وكثرة التفاعل إلى برهان على الصواب.
ومن أخطر ما أفرزته وسائل التواصل الحديثة أنها نقلت الإنسان من مرحلة التفكير إلى مرحلة التفاعل السريع؛ فالمستخدم لا يمنح وقتا كافيا للتأمل، بل يدفع دفعا إلى المشاركة والانفعال وإعادة النشر، وهكذا تنشأ حالة من الوعي الجمعي الهش، حيث تنتشر الأفكار لا لقوتها المنطقية، بل لقوة حضورها الرقمي.

وقد تنبه الشيخ محمد الغزالي باكرا إلى خطورة تعطيل العقل في حياة المسلمين، فكان يرى أن الأمة لا تسقط فقط بسبب أعدائها، بل بسبب قابلية أبنائها للانقياد والتقليد، وكان يردد في كتاباته أن الإسلام "دين يخاطب العقل قبل العاطفة"، وأن الجمود العقلي أحد أبواب الهزيمة الحضارية.
ولعلنا جميعا ندرك أن ضعف التفكير النقدي يجعل الإنسان سهل التشكيل، وأن المجتمعات التي لا تربي أبناءها على السؤال، والتحليل تتحول سريعا إلى جماهير قابلة للتوجيه، مهما بلغت في التعليم الشكلي.

ولقد كان الهدي النبوي حاسما في بناء الشخصية المستقلة، حين قال النبي صلى الله عليه وسلم:(لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا) [الترمذي].
فالإمعة ليس مجرد شخص ضعيف الرأي، بل هو إنسان تنازل عن مسؤوليته الأخلاقية، وأسلم عقله للجموع.
ولعل أخطر ما في ثقافة القطيع أنها لا تكتفي بإلغاء التفكير، بل تعيد تشكيل الضمير نفسه؛ فيصبح المنكر مألوفا لكثرة تكراره، وتتحول التفاهة إلى قيمة اجتماعية إذا حظيت بالتصفيق، ويغدو الصمت عن الخطأ نوعا من الانسجام المجتمعي.
ويصبح الفرد كما عبر عنه الشاعر الجاهلي في حالة ذوبان في الجماعة:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت     غويت وإن ترشد غزية أرشد بيت يلخص حالة الفرد التابع، وهو شاهد على قابلية الإنسان للتبعية العمياء، وفي المقابل، كان الوعي الحر دائما سمة الكبار الذين يملكون شجاعة مخالفة السائد حين ينحرف؛ ولذلك قال المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله     وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم فصاحب العقل يعيش قلق السؤال، بينما يكتفي التابع براحة التقليد.

خاتمة القول: إن الحضارات لا تبنى بالجمهور المنقاد، وإنما بالعقول الحية القادرة على النقد والتمييز، وما أحوج الأمة اليوم إلى تربية أبنائها على الاستقلال الفكري، وعلى الشجاعة الأخلاقية، وعلى القدرة على قول "لا" حين يتحول الخطأ إلى موضة عامة.
فليس المطلوب من الإنسان أن يعادي المجتمع، وإنما أن يحتفظ ببصيرته الداخلية، وضميره الحي، وأن يشارك الناس الخير دون أن يذوب في أخطائهم، وأن يظل وفيا للحقيقة، وأن يقاوم تيارات الأهواء، وأنواء الضلالة بما يستطيع.

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة