هنيئاً للمؤمنين

0 0

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

نقف اليوم مع ما أعده الله لعباده المؤمنين، الذين ثبتوا على عبادته وطاعته، فنالوا رضوانه وجناته، نستعرض فيها شيئا من صفاتهم التي جعلتهم أهلا للفوز والفلاح، ثم ننظر إلى الفريق الآخر، الذين ابتعدوا عن طريق الإيمان، وأعرضوا عن أمر الله، وتهاونوا في طاعته، فتوعدهم بالعذاب والهوان.

وقفة تدعو كل واحد منا أن يحسم خياره: أي طريق يسلك؟ طريق المؤمنين المفلحين، أم طريق الغافلين الخاسرين

وهذا يقودنا إلى حقيقة عظيمة، وهي أن السعادة الحقيقية لا تنال إلا بالإيمان الصادق والعمل الصالح، فمن طلبها في المال والجاه والسلطان فقد ضل سبيلها، وغرق في أوهام لا تزيده إلا قلقا واضطرابا، قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}(النحل:97).

فالإيمان هو سر السعادة وراحة القلوب، وهو النور الذي يضيء الطريق، والزاد الذي يجعل المؤمن في نعيم لا يعرفه إلا من ذاقه، ويمنحه سعادة لا يوازيها سلطان ولا مال ولا شهوة.

والإنسان بلا إيمان كريشة في مهب الريح، كسفينة تتقاذفها الأمواج في بحر متلاطم.. أما المؤمن، فبالإيمان يعيش مطمئنا في السراء والضراء، ثابتا في المكاره والابتلاءات، راضيا سعيدا بما قسمه الله، وقد قال النبي صلى الله عليه: (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) رواه مسلم.

وعلينا أن نعلم أن الله تعالى حين أنزل هذا الدين على نبيه صلى الله عليه وسلم، أنزل معه عبادات وتكاليف، وأوامر ونواهي، وجعلها اختبارا وابتلاء للناس، ليميز بها الصادق من المدعي، والطيب من الخبيث، فمن آمن وحقق إيمانه علما وعملا، نال ما وعده الله من بشارات بجنات النعيم، فال الله تعالى: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار}(الحج:14)، إنه وعد من رب رحيم كريم، لكنه وعد مشروط بالإيمان الحق والعمل الصالح، وبإقامة أركان الدين التي بني عليها الإسلام، إخلاصا لله واتباعا لرسوله صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت) رواه البخاري.

ثم تأملوا في وعد الله لعباده المؤمنين، إذ يقول سبحانه: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}(البقرة:277)، لا خوف ولا حزن يساورهم في دنياهم وآخرتهم، بل يعيشون في أمن دائم وسعادة باقية، جزاء لهم على صدق إيمانهم وحسن أعمالهم..

عباد الله: ولأن الجزاء لا يكون إلا على إيمان وعمل، فقد وصف الله عباده المؤمنين بصفات كثيرة، هي التي أهلتهم لهذا الفضل وهذه الكرامة، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون * والذين هم على صلواتهم يحافظون * أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون}(المؤمنون:11:1)..فمن صفات هؤلاء المؤمنين أنهم يحافظون على صلاتهم ويخشعون فيها، ويعرضون عن اللغو، ويحفظون فروجهم، ويراعون الأمانات والعهود، ويبتعدون عن الزور والباطل، وينفقون في سبيل الله، فمن تحلى بهذه الصفات نال الجزاء الأوفى، وارتقى إلى الدرجات العلا، وجزاهم الله بما يستحقون من النعيم، والحور العين، كما قال تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون}(الواقعة:24).

فهنيئا للمؤمنين يوم يعطون كتبهم بأيمانهم، وتثقل موازينهم بأعمالهم الصالحة، ويعبرون الصراط في أمان، ويردون على الحوض فيسقون شربة لا يظمؤون بعدها أبدا.

هنيئا لهم حين يدخلون جنات عالية، قطوفها دانية، لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما، وإنما تحفهم الملائكة بالسلام، ويغمرهم الأمن والاطمئنان.

هنيئا لهم وقد سلموا من التعب والأحزان، ونجوا من الهموم والغموم، كما وصفهم الله تعالى بقوله عن حالهم في الجنة: {في جنة عالية * قطوفها دانية * كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية}(الحاقة:22-24)، وقال سبحانه: {لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين}(الحجر:48).

يا من يشتاق أن يكون معهم، ويا من يتمنى أن يصحبهم في دار الخلود، حيث النعيم المقيم والرضوان العظيم، عليك أن تتحقق بصفات أهل الإيمان، وتحافظ على طاعة الرحمن، وتستقيم على أمره، وتحافظ على صلاتك، وتحقق إيمانك قولا وعملا، ظاهرا وباطنا.. فالإيمان ليس دعوى، بل هو حقيقة تصدقها الأعمال الصالحة، وهو سبب الفوز في الدنيا والآخرة. ولذلك قال العلماء: "الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية"، وقال الحسن البصري رحمه الله: "ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل."

أيها المؤمنون: بعد أن وقفنا مع صفات المؤمنين وثمارها يوم الحساب والجزاء، لا بد أن نتأمل في المقابل: حال من أعرض عن حال أهل الإيمان، ليزداد المؤمن تمسكا بطاعته، ويرجع ويستفيق الغافل من غفلته.

إن حال من أعرض عن الله، على خلاف حال المؤمنين، فبينما يعيش أهل الإيمان في طمأنينة ونعيم، فإن المعرضين عن طريق الإيمان يعانون من القلق الشقاء في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى}(طه:124).

فيا من ضعف إيمانه وأعرض عن طاعة ربه، كيف يكون موقفك إذا وقفت بين يدي الله يوم القيامة؟ وكيف حالك إذا لم ينهك إيمانك عن إضاعة الصلاة واتباع الشهوات؟ قال الله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا}(مريم:59).

كيف حال من لم يمنعه إيمانه من ظلم الناس وإيذائهم بقول أو فعل؟ يوم القيامة يؤخذ من حسناته لمن آذاهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار) رواه مسلم.

كيف حال من لم يمنعه إيمانه من أكل وشرب الحرام، وأكل أمال الناس وأموال اليتامى ظلما؟ قال تعالى: {إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا}(النساء:10)، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت، وكل لحم نبت من السحت، كانت النار أولى به) رواه أحمد.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:

علينا أن نتذكر دائما يوم الحسرة والندامة، ويوم الحساب والجزاء، ذلك اليوم العظيم الذي وصفه الله بقوله: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد}(الحج:2:1)، ويقول سبحانه: {يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه}(عبس:37:34)..

ولنستعد لذلك اليوم العظيم بطاعة الله، والاستقامة على أمره، والبعد عن معاصيه، ولنسارع إلى التوبة بقلوب صادقة مستبشرين بقوله صلى الله عليه وسلم: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) رواه ابن ماجه، لنكون من أهل النعيم الذين يقال لهم: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون}(الأعراف:49)..

وختاما، عباد الله: عمقوا إيمانكم في قلوبكم، وحققوه في واقع حياتكم، بخوف من الله يصلح القلوب، وبمحافظة على الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وبزكاة تطهر الأموال، وبصيام يزكي النفوس، وببر للوالدين، وإحسان للأهل والجيران، وصدق في القول والعمل، وأمانة في المعاملات، وحسن خلق يرفع الدرجات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا) رواه الترمذي.

وكونوا من الصنف الأول الذي حقق إيمانه واقعا عمليا في حياته، فكان من المؤمنين المفلحين الذين وعدهم الله بالجنة والرضوان..

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة