- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العقيدة
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أحيا القلوب بنور الإيمان، وجعل في تجديده حياة للنفوس، وطمأنينة للقلوب، ونجاة من الغفلة والخذلان، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله تعالى وحده لا شريك له، يقلب القلوب كيف يشاء، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي دل أمته على كل خير، وكان من أعظم ما دلهم عليه تجديد الإيمان في القلوب، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم} [الحديد: 28]. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} [الحشر: 18].
أما بعد،
عباد الله: الإيمان هو أعظم ما يملكه العبد، وهو رأس ماله الحقيقي في الدنيا والآخرة، وهو سر سعادته ونجاته، وهو النور الذي يهديه في ظلمات الفتن، ويثبته عند الشبهات والشهوات، فإذا قوي الإيمان في القلب استقامت الحياة، وانتظم حال العبد ظاهرا وباطنا، وسار في الطريق بثبات وطمأنينة، وإذا ضعف الإيمان اضطربت الحياة، واختلت الموازين، وتسللت إلى القلب أسباب القلق والاضطراب، وإذا مات الإيمان – والعياذ بالله – خسر العبد كل شيء، ولو ملك الدنيا بأسرها، لأن الحياة الحقيقية إنما هي حياة القلب بالإيمان، قال تعالى{أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ۚ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} [الأنعام: 122]. فسمى فاقد الإيمان ميتا، وسمى الإيمان حياة ونورا.
ولذلك كان من أعظم ما ينبغي أن يعتني به المسلم في حياته أن يتعاهد إيمانه، وأن يراقب حال قلبه، وأن يسعى إلى تجديده وتقويته، فإن الإيمان ليس شيئا جامدا ثابتا، بل هو يزيد وينقص، ويقوى ويضعف، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) رواه الحاكم، وهو تصوير بليغ لحال الإيمان، وتشبيه له بالثوب الذي يبلى مع كثرة الاستعمال، فيحتاج إلى تجديد وإصلاح، فكذلك الإيمان، يبلى بالغفلة، ويضعف بالمعصية، ويقوى بالطاعة، ويتجدد بالذكر. ومن هنا ندرك أن تجديد الإيمان ليس أمرا عارضا، بل هو ضرورة يومية، لأن القلب يتعرض في كل يوم لمؤثرات تضعفه أو تقويه، فإن لم يجد ما يغذيه من ذكر وطاعة، ذبل وضعف، كما يذبل الجسد إذا حرم من الطعام والشراب، بل القلب أولى بذلك، لأن حياة القلب أعظم من حياة الجسد، ومن عاش بقلب ميت أو ضعيف، فإنه يعيش في ضيق وإن اتسعت عليه الدنيا، وفي قلق وإن توفرت له أسباب الراحة، لأنه فقد أعظم ما يمنح الطمأنينة، وهو الإيمان بالله تعالى، قال سبحانه: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} [طه: 123].
أيها المسلمون: إن من أعظم أسباب تجديد الإيمان معرفة الله تعالى، فكلما ازداد العبد علما بربه، ازداد إيمانا به، وتعظيما له، وخشية منه، ومحبة له، فإن القلب إنما يحيا بمعرفة خالقه، وإذا جهل ربه ضعف إيمانه أو مات، ولهذا قال الله تعالى{الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ۗ ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28]. وهذه الطمأنينة سكينة عميقة تستقر في القلب، فلا تزعزعه الأحداث، ولا تقلقه التقلبات، لأنها قائمة على معرفة الله تعالى والثقة به. وذكر الله تعالى ليس مجرد ألفاظ تردد، بل هو معنى واسع يشمل كل ما يقرب العبد إلى ربه، من تلاوة القرآن، وتدبر آياته، والتفكر في أسمائه وصفاته، والتأمل في خلقه، فكل ذلك يورث تعظيما لله تعالى في القلب، ويجدد الإيمان فيه، ويزيده رسوخا وثباتا.
ومن أعظم ما يعين على ذلك تدبر القرآن، فإنه كلام الله تعالى الذي خاطب به عباده، وفيه من المعاني والهدايات ما يوقظ القلب من غفلته، ويحييه بعد موته، ويجدد فيه معاني الإيمان واليقين، قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن} [النساء: 82]، وقال سبحانه: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته} [ص: 29]، فالتدبر هو الطريق إلى الانتفاع بالقرآن، وهو الذي ينقل العبد من مجرد التلاوة إلى الفهم والتأثر والعمل، ولذلك كان السلف يقفون عند الآية يتدبرونها، ويعيشون معها، حتى تغير قلوبهم وسلوكهم. فليس المقصود من القرآن أن يقرأ فحسب، بل أن يفهم ويعمل به، وأن يكون حاضرا في حياة العبد، يوجهه ويقوده، فإذا فعل ذلك، كان القرآن أعظم وسيلة لتجديد الإيمان، وإحياء القلوب، وربطها بالله تعالى في كل حين.
أيها المؤمنون: ومن أعظم ما يجدد الإيمان في القلوب، ويقويه في النفوس، المحافظة على الطاعات، والقيام بها على الوجه الذي يرضي الله تعالى، فإن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذه قاعدة عظيمة دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، وكلما ازداد العبد قربا من الله تعالى بالطاعة، ازداد إيمانه، وقوي يقينه، وانشرح صدره، واستقامت حياته. وكانت الصلاة في مقدمة هذه الطاعات، فهي عمود الدين، وهي الصلة المباشرة بين العبد وربه، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله) رواه الترمذي، فكلما حافظ العبد على صلاته، وأداها بخشوع وحضور قلب، كانت سببا في زيادة إيمانه، وتثبيت يقينه، وطرد الغفلة عنه، قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45].
وكذلك الصيام، فإنه مدرسة عظيمة لتقوى الله تعالى، يدرب العبد على مراقبة الله في السر والعلن، ويكسر شهوته، ويعوده الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على أقدار الله، ولذلك قال الله تعالى في بيان حكمته: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183]، فالصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو تزكية للنفس، وتربية للقلب، وتجديد لمعاني الإيمان.
وكذلك الصدقة، فإنها دليل على صدق الإيمان، لأنها إخراج لما تحبه النفس، وتعلق به القلب، ابتغاء مرضاة الله تعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والصدقة برهان) رواه مسلم، أي دليل واضح على إيمان صاحبها، لأنها تدل على أن قلبه تعلق بالله تعالى أكثر من تعلقه بالمال. بل إن الصدقة تطفئ الخطيئة، وتزكي النفس، وتفتح للعبد أبواب الرحمة، وتورثه سعة في الصدر وبركة في الرزق.
ولا يقتصر الأمر على هذه العبادات، بل يشمل سائر القربات من ذكر لله تعالى، وقراءة للقرآن، وبر للوالدين، وصلة للأرحام، وإحسان إلى الناس، وكل عمل يقصد به وجه الله تعالى، فإن هذه الأعمال كلها تغذي الإيمان، وتجدده، وتزيده قوة وثباتا، وتجعل العبد يعيش في صلة دائمة بربه، فلا يضعف قلبه، ولا تسيطر عليه الغفلة، بل يكون دائم الاتصال بالله تعالى، حاضر القلب، حي الإيمان، ثابتا على الطريق.
عباد الله: ومن أعظم ما يضعف الإيمان ويطفئ نوره الغفلة عن الله تعالى، والانشغال بالدنيا، والإغراق في الشهوات، والوقوع في المعاصي، فإن الذنوب تظلم القلب، وتبعده عن ربه، وتجعله قاسيا لا يتأثر بموعظة، ولا يخشع لآية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}) رواه الترمذي، فالمعصية تضعف الإيمان، والتوبة تجدد الإيمان، ولهذا كان من أعظم وسائل تجديد الإيمان كثرة التوبة، والرجوع إلى الله تعالى، والاستغفار، ومحاسبة النفس، والندم على التقصير.
أيها المسلمون: ومن أعظم وسائل تجديد الإيمان صحبة الصالحين، فإن الإنسان ضعيف بنفسه، قوي بإخوانه، فإذا جالس أهل الإيمان، ازداد إيمانه، وقوي يقينه، وتأثر بأعمالهم وأقوالهم، وإذا جالس أهل الغفلة، ضعف إيمانه، وابتعد عن ربه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير…) رواه البخاري، فالجليس الصالح إما أن ينفعك، أو يذكرك بالله تعالى، أو يرفع همتك، أما جليس السوء فإنه يفسد قلبك، ويضعف إيمانك، فاحرصوا – عباد الله – على صحبة من يعينكم على طاعة الله تعالى، فإن في ذلك حياة لقلوبكم وتجديدا لإيمانكم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله تعالى على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعالى وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد،
عباد الله: إن تجديد الإيمان في القلوب يكون بمعرفة الله تعالى، وتدبر كتابه، والمحافظة على الطاعات، والبعد عن المعاصي، وكثرة التوبة، وصحبة الصالحين، فمن أخذ بهذه الأسباب حي قلبه، وقوي إيمانه، واستقام حاله، ومن أعرض عنها ضعف إيمانه، وابتعد عن ربه، فاحرصوا على تجديد إيمانكم في كل حين، واسألوا الله تعالى أن يحيي قلوبكم، ويثبتكم على دينه. فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم جدد الإيمان في قلوبنا، وأصلح أحوالنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقالات

