حق الله على العباد، وحق العباد على الله

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله تعالى الذي خلق الخلق لعبادته، وأوجب عليهم حقه، وتفضل عليهم بوعده، وجعل لعباده عليه حقا بوعده وفضله لا باستحقاقهم، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله تعالى وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي بين للأمة أعظم الحقوق وأجلها، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ۗ ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70-71]. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم} [الحديد: 28].

أما بعد،
 
عباد الله: إن أعظم قضية في حياة الإنسان، وأصل كل صلاح في الدنيا والآخرة، معرفة حق الله تعالى على عباده، والقيام به على الوجه الذي يرضيه، فإن الله تعالى ما خلق الخلق عبثا، ولا تركهم سدى، بل خلقهم لحكمة عظيمة، وغاية شريفة، تحدد مسار حياتهم، وتضبط غاياتهم، وتبين لهم سر وجودهم في هذه الدنيا، قال سبحانه: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]، فهذه الآية تعلن بوضوح أن الغاية الكبرى من خلق الإنسان هي عبادة الله تعالى، بكل ما تحمله هذه العبادة من معاني الخضوع، والمحبة، والانقياد، والتسليم، فلا يكون العبد عبدا حقا حتى يفرد الله تعالى بالعبادة، ويخلص له القصد، ويتوجه إليه وحده بالعمل والعبادة. وهذا هو الحق الأعظم، والواجب الأكبر، أن يعبد الله تعالى وحده لا شريك له، وأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وأن يقدم أمره على كل أمر، ويجعل رضاه فوق كل اعتبار. وهذا الحق ليس تفضلا من العبد، ولا خيارا يمارسه، بل هو حق الله تعالى الذي أوجبه على عباده، لأنه خالقهم من العدم، ورازقهم بالنعم، ومدبر أمرهم في كل حال، الذي أسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة، فلا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا بإذنه، قال تعالى: {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34]، فكل نفس يتردد، وكل نبضة قلب، وكل نعمة ترى أو لا ترى، إنما هي من فضل الله تعالى، فكيف يقابل هذا الإنعام بالإعراض؟ وكيف يجازى هذا الفضل بالكفران؟! إن من عرف الله تعالى حق المعرفة، وتأمل في أسمائه وصفاته، وتفكر في نعمه وآلائه، لم ير لنفسه حقا أمام حق الله تعالى، بل يرى نفسه مقصرا مهما عمل، عاجزا مهما اجتهد، لأن حق الله تعالى أعظم من أن يؤدى على وجه الكمال، ولذلك كان السلف يخافون مع كثرة أعمالهم، ويرجون مع تقصيرهم، لأنهم علموا أن المقام مقام عبودية، وأن العبد مهما بلغ لا يخرج عن كونه عبدا فقيرا إلى ربه في كل حال.
 
أيها المسلمون: إن حق الله تعالى على عباده هو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث العظيم: (يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا) رواه البخاري، فالتوحيد هو أساس هذا الحق، وهو أعظم ما يجب على العبد، وأول ما يدعى إليه، وأول ما يسأل عنه، وهو الذي من أجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وقامت عليه دعوة الأنبياء جميعا، قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36]، فكانت دعوة جميع الأنبياء واحدة، وهي تحقيق التوحيد، وإخلاص العبادة لله تعالى. والتوحيد هو اعتقاد في القلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، يظهر أثره في حياة العبد، في عبادته، وأخلاقه، ومعاملاته، فلا يشرك بالله تعالى في دعائه، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في توكله، بل يكون قلبه متعلقا بالله وحده. ولهذا كان الشرك أعظم الذنوب، لأنه اعتداء على أعظم حق، وهو حق الله تعالى، قال سبحانه: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 48]، فلا يقبل الله تعالى من العبد عملا مع الشرك، ولو كان كثيرا، كما لا يضيع مع التوحيد عمل وإن كان قليلا، لأن التوحيد هو أساس القبول، وشرط النجاة، فمن حقق هذا الحق، نجا وفاز، ومن أخل به، خسر وخاب، مهما كثرت أعماله، لأن البناء إذا فقد أساسه انهدم، وإن بدا في الظاهر قائما، فاحرصوا – عباد الله – على تحقيق التوحيد في قلوبكم، وتجديده في حياتكم، وتعليمه لأهليكم، فإنه أعظم ما تبنى عليه الحياة، وأعظم ما ترجى به النجاة.
 
أيها المؤمنون: وليس معنى عبادة الله تعالى أن يقتصر العبد على بعض العبادات، ويترك بعضها، بل العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، من صلاة وصيام، وزكاة وحج، وصدق وأمانة، وبر وإحسان، وخوف ورجاء، وتوكل وإنابة، فكل ذلك داخل في عبادة الله تعالى، وكلما ازداد العبد قياما بهذه العبادات، ازداد تحقيقا لحق الله تعالى عليه، ومن أعظم ما يعين على ذلك استحضار عظمة الله تعالى، ومراقبته في كل حال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) رواه مسلم، فهذا هو مقام الإحسان، وهو أكمل مراتب العبادة.
 
عباد الله: وإذا قام العبد بحق الله تعالى عليه، فإن الله تعالى – بفضله وكرمه – جعل للعباد عليه حقا، لا لأنهم يستحقونه بذواتهم، بل لأنه سبحانه وعدهم به، ووعده حق، لا يخلف، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في تتمة الحديث: (أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم) رواه البخاري، فهذا أعظم فضل، وأعظم كرم، أن من وحد الله تعالى، وعبده، واجتنب الشرك، فإن الله تعالى لا يعذبه، وهذا من رحمته الواسعة، وفضله العظيم، وإلا فالعباد مهما عملوا، لا يستحقون على الله شيئا، لكن الله كتب على نفسه الرحمة، وتفضل على عباده بهذا الوعد.
 
أيها المسلمون: إن معرفة هذه الحقيقة العظيمة – حق الله على العباد، وحق العباد على الله – تحدث في القلب توازنا عجيبا، بين الخوف والرجاء، فيخاف العبد من التقصير في حق الله تعالى، ويرجو فضل الله تعالى ورحمته، فلا يأمن مكر الله، ولا يقنط من رحمته، بل يسير إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء، يعمل بطاعته، ويبتعد عن معصيته، ويحسن الظن به، ويثق بوعده، قال تعالى: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم} [الحجر: 49-50]، فجمع بين الترغيب والترهيب، حتى يستقيم حال العبد.
 
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله تعالى على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعالى وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد،
عباد الله: إن حق الله تعالى على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وأن يقوموا بأوامره، ويجتنبوا نواهيه، فإذا فعلوا ذلك، فإن الله تعالى وعدهم – بفضله وكرمه – أن لا يعذبهم، وأن يدخلهم جنته، فاحرصوا على تحقيق التوحيد، وإخلاص العبادة لله تعالى، فإن في ذلك النجاة في الدنيا والآخرة، واعلموا أن الله تعالى غني عنكم، وأنكم محتاجون إليه، فقوموا بحقه، وتعلقوا به، وارجوا فضله، فإنه أكرم الأكرمين. 
 
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة