الأسس العقدية لشكر النعم وأثرها في تفعيل الشكر في حياة المسلم

0 0

الشكر لله تعالى على نعمه العظيمة عبادة جليلة من أجل العبادات القلبية والقولية والعملية، والعقيدة الإسلامية ترسي أسس الشكر ومعانيه في قلب المسلم، إذ تقرر أن كل نعمة هي من الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن ٱلله} [النحل: 53]. فالتوحيد أصل الشكر؛ لأن من أعظم معاني التوحيد إفراد المنعم الحقيقي بالشكر وعدم جحد فضله، ومن هنا كان كفر النعمة (أي جحودها ونسبتها لغير الله) ضربا من الكفر بالله تعالى، قال تعالى {واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة: 152]، وعكس الشكر هو كفران النعم وإنكارها، ولذلك قابل الله تعالى الشكر بالزيادة، والكفران بالعذاب، فقال تعالى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} [إبراهيم: 7].

أولا: التوحيد أساس شكر النعم:

العقيدة الإسلامية الصحيحة تجعل المسلم يوقن أن كل النعم من رزق وصحة ونصر وعلم وغيرها هي من فضل الله وحده. هذا اليقين يثمر في القلب عبودية الشكر لله. قال تعالى مخاطبا بني إسرائيل: {يا قوم اذكروا نعمة الله عليكمۚ هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض} [فاطر: 3]، فبين أن الرازق هو الله وحده ليستثير شكرهم له. وهكذا فإن توحيد الربوبية – وهو إفراد الله بالخلق والرزق والتدبير – يحمل المؤمن على توحيد الله بالشكر، فلا يشكر قلبه ولا لسانه إلا ربه الذي خلقه ورزقه ودبره.
 
ومن العقيدة أيضا الإيمان باسم الله “المنعم” أو “المحسن” وبصفة الإحسان المطلق لله، وهذا يعني أن كل إحسان في الكون فأصله من الله، وبالتالي يستحق الحمد والشكر أولا وآخرا.
 
وقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم القدوة في شكر ربه، حتى قالت عائشة رضي الله عنها حين رأت رسول الله يطيل قيام الليل حتى تتورم قدماه: " يا رسول الله، أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟"  فقال: (أفلا أكون عبدا شكورا) رواه مسلم. فمنطلق الشكر هنا هو معرفة فضل الله العظيم واستشعار واجب العبودية له. 
 
ثانيا: شكر النعم في القرآن والسنة – تأكيدات عقدية:
 
جاءت النصوص الشرعية حافلة بالأوامر الصريحة بشكر الله، مما يرسخ في قلب المسلم أن الشكر واجب ديني عظيم لا مجرد أمر مستحب. قال تعالى: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة: 152]، فقرن الذكر بالشكر، ودل على أن ترك الشكر بمنزلة الكفر (كفر النعمة). بل جعل الله الشكر غاية الخلق والأمر، فقال: {واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون} [النحل: 114]، أي إن عبودية الله الحقة لا تتحقق إلا بشكر نعمه. وهكذا يتبين الارتباط الوثيق بين العقيدة (العبادة لله وحده) وبين الشكر؛ فكلما ازداد الإيمان والتوحيد رسوخا في القلب، ازداد العبد شكرا لله تعالى. وقد أثنى الله في كتابه على بعض عباده بوصفهم شاكرين، وجعل ذلك من علامات الاصطفاء والفضل، قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين * شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم} [النحل: 120-121]. فوصف خليله بأنه كان شكورا لنعم الله، واجتباه ربه لهذه الصفة الجليلة. وكذلك نوح عليه السلام {إنه كان عبدا شكورا} [الإسراء: 3]، وفي هذا إشارة عقدية إلى أن كمال العبودية مرتبط بكمال الشكر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم صالح [وفي رواية: مكارم] الأخلاق) رواه البزار. ، ولا ريب أن رأس هذه الأخلاق بعد التوحيد هو شكر المنعم.
ومن أسمائه تعالى “الشكور”، أي الذي يشكر القليل من العمل ويثيب عليه الكثير، فهو سبحانه سمى نفسه شاكرا وشكورا لبيان محبته للشكر وترغيبه عباده فيه .
 
ثالثا: أثر الإيمان بالقدر في شكر النعم:
 
من الأسس العقدية التي تعين على الشكر كذلك الإيمان بالقضاء والقدر؛ فالمؤمن يعتقد أن ما يجري عليه من نعم هو بمقادير الله وحكمته. فإذا علم أن النعمة قد كتبت له في اللوح المحفوظ ومن الله بها عليه في الوقت المناسب، ازداد شعوره بأن حياته وتقلبها بين النعم هي فضل من الله وليس بحوله ولا قوته، وهذا يدفعه للشكر بدلا من الغرور. وعلى النقيض من ذلك، من اعتقد أن النعمة جاءته بحوله وقوته ، فإنه يقل شكره أو ينعدم، وربما نسب الفضل إلى نفسه كقارون الذي قال: {إنما أوتيته على علم عندي} [القصص: 78].
 
كما أن الإيمان بالقدر يعين على استمرار الشكر حتى عند زوال بعض النعم، لأن المؤمن يدرك أن الله هو المالك الحق لما أعطى وله ما أخذ. فيشكره عند السراء ويصبر عند الضراء، ولا يصل به الحال إلى جحود النعمة إن فقدها، بل يشكر ما بقي من نعم الله عليه التي لا تحصى. وهذا يحقق للمسلم الرضا والتسليم، وهما من ثمار العقيدة الصادقة.
 
رابعا: شكر النعم عمليا – ثمرة الاعتقاد الراسخ:
 
إذا ترسخت الأسس العقدية المذكورة في قلب المسلم، أثمرت في واقعه سلوكا شاكرا لله تعالى. فالشكر في حقيقته يقوم على أركان ثلاث ذكرها ابن القيم: "الشكر يكون بالقلب خضوعا واستكانة، وباللسان ثناء واعترافا، وبالجوارح طاعة وانقيادا". فالمؤمن يعترف في قلبه أن المنعم هو الله وحده (توحيد الربوبية)، ويلهج لسانه بحمد الله والثناء عليه صباح مساء (ذكر وشكر لفظي)، ثم يطيع الله فيما أمره وينفق النعم في مرضاته (شكر عملي).
 
ومن لطيف ما قيل: "الشكر ترك المعاصي"؛ لأن من شكر نعمة البصر مثلا أن لا ينظر بها إلى حرام، ومن شكر نعمة المال أن لا ينفقه في باطل. لذلك كان الشكر حارسا للنعم من الزوال؛ كما روي: "الشكر قيد النعم" (أي يقيدها عن الهرب)، ومن لم يشكر نعمة كادت تفارقه. وقد جعل الله للشكر أثرا مباركا وهو المزيد من الخير، فقال: {وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران: 144]، وقال: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} [النساء: 147]؛ أي لن يعذب الشاكرين بل يرضى عنهم ويثيبهم. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يحب من عبده أن يظهر أثر نعمته عليه، فهذا من شكر النعمة. وعكس ذلك أن يستعمل العبد نعم الله في معصيته، فهذا كفر عملي للنعم يؤدي إلى زوالها واستحقاق العقوبة.
 
خامسا: الشكر في حياة المسلم المعاصر – تطبيقات تربوية:
 
إن استحضار الأسس العقدية للشكر له أثر تربوي كبير في حياة المسلم اليومية. فالمسلم حين يبدأ يومه بحمد الله على نعمة الحياة بعد النوم، ويقول: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإله النشور"؛ فهو يبني يومه على شكر، وعندما يأكل أو يشرب فيسمي الله ويحمده بعد الفراغ، فإنه يشكر عمليا فيزداد شعورا بقيمة النعمة، وعندما يرى مبتلى فيحمد الله الذي عافاه، فإنه يجدد إيمانه بأن المنعم هو الله وحده، وهكذا يصبح الشكر موجها لسلوك المسلم، فينشغل بذكر المنعم بدل التفاته للمفقود، وفي عصرنا المادي الذي يقل فيه استشعار فضل الله، يكون المسلم الشاكر داعيا بسلوكه لهذا المنهج الرباني القويم. كما أن تربية الأبناء على شكر الله تنطلق من غرس العقيدة في نفوسهم؛ بأن يفهموا منذ الصغر أن الطعام والشراب والملبس كلها من رزق الله، فنوجههم لقول "الحمد لله" بصدق، ولتعظيم المنعم بدل الانشغال بالنعمة. ومتى ترسخ هذا المفهوم، نشأ الجيل متواضعا بعيدا عن الغرور بالنعم أو التعلق الزائد بالدنيا، بل يراها فضلا مؤقتا يستوجب الشكر الدائم.
فالشكر عبادة عظيمة تقوم على أسس عقدية متينة: توحيد المنعم، والإيمان بأمر الله ووعده، وإخلاص الحمد له. وكلما ازداد العبد إيمانا ويقينا بأن ما هو فيه من نعمة فمن الله، ازداد له شكرا ومحبة. ولذلك كان الشكر من صفات القلة من عباد الله، كما قال تعالى: {وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13].
 
فلنحرص أن نكون من هؤلاء القلة الفائزة، ولنستحضر في كل نعمة صغيرة أو كبيرة قول ربنا: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} [التكاثر: 8]، فنعد للسؤال جوابا هو الشكر والعمل الصالح. كما أوصى النبي معاذا رضي الله عنه بقوله: (لا تنس أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) رواه أبوداود.

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة