- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:أقليات وقضايا
الحضارات ليست أبنية من حجر، ولا مدائن من طين وآجر وحسب، وإنما هي في حقيقتها منظومات من القيم، وموازين من الأخلاق، وروح تسري في الأمة فتحيلها من جماعة متفرقة إلى كيان حي، قادر على البناء والعطاء، وحين تضعف تلك الروح، وتذبل القيم، يبدأ التصدع الخفي الذي لا تراه العيون لأول وهلة، لكنه يفضي بعد حين إلى سقوط قد يدوي في صفحات التاريخ، كما دوت من قبل أخبار عاد وثمود، وروما، والأندلس، وغيرها من الحضارات التي ملأت الدنيا صخبا، ثم غدت أثرا بعد عين.
وقد وقف المفكرون الإسلاميون طويلا أمام سؤال السقوط الحضاري، يحاولون تفسير أسبابه واستخلاص عبره، لأن الأمة التي لا تفهم أسباب انحدار غيرها، قد تعيد إنتاج المأساة في ثوب جديد، ولقد أسهب "مالك بن نبي" في أسباب سقوط الحضارات، وحاول استخلاص العبر بقراءاته، في هذا الميدان، وحدثنا أن الحضارة ركنها الأساسي وعمودها الدائم هو القيم والأخلاق التي بها تسود، وأنها ليست مجرد تقدم مادي، أو تفوق عسكري، سرعات ما تتغير فيه الموازين، أو يتصدع بغير الزمان.
وعرج في كلامه عن سقوط الحضارات؛ ليعدد مشكلات العالم الإسلامي التي تقعدنا اليوم عن النهوض الحضاري، وبين أنها ليست في قلة الموارد، بل في القابلية للاستعمار، وهي العبارة التي أثارت جدلا واسعا؛ لكنها كشفت عمق رؤيته؛ فالأمم لا تستعبد من الخارج إلا بعد أن تهزم من الداخل، فالاستعمار وقع نتيجة لخلل حضاري سابق، يتمثل في التفرق، والتشرذم، والعصبيات الضيقة، وغير ذلك من أمراض اجتاحت العالم الإسلامي، وأكد أن الحضارة تقوم على ثلاثة عناصر: الإنسان، والتراب، والوقت، لكنها لا تتحول إلى حضارة حقيقية إلا إذا صهرتها "الفكرة الدينية"، فاعتزت بدينها، وتمسكت بتعاليمه فقال"إن الحضارة لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية، ولا تسقط إلا حين تفقد هذه العقيدة فعاليتها في النفوس"، هذه الجملة تكشف أن أزمة الحضارات ليست دائما أزمة موارد، أو عقول، بل قد تكون أزمة معنى؛ إذ يتحول الإنسان إلى كائن فاقد لهويته، وانتمائه، يعيش لذاته، وشهواته، فتتآكل الروابط التي تحفظ تماسك المجتمع؛ ولهذا كان "ابن نبي" يرى أن الاستعمار لم يكن سوى نتيجة لحالة داخلية من الوهن؛ ولذلك قال عبارته الشهيرة: "القابلية للاستعمار أخطر من الاستعمار نفسه".
إذن من خلال دراسة التاريخ يتبين أن سقوط الحضارات يبدأ حين يفقد الإنسان منهجه، وانتماءه، ويتيه في طرق الحيرة، والانسلاخ من القيم، والمبادئ الإسلامية، ويتحول إلى كائن استهلاكي يعيش على هامش التاريخ، فالأمة التي تستورد أفكارها كما تستورد بضائعها، تفقد ثقتها بذاتها، وتصبح عاجزة عن الإبداع .
وقد نبه المفكرون إلى خطورة ما أسموه "التضخم في الأشياء، والانكماش في الأفكار"، إذ قد تمتلك الأمة وسائل التقنية لكنها تفتقر إلى الروح التي توجهها: "المشكلة ليست في أن ننتج أشياء، بل في أن ننتج أفكارا".
عبارة تختصر مأساة كثير من المجتمعات المعاصرة التي أغرقتها المظاهر الاستهلاكية، لكنها أفرغتها من روح الإبداع، والأصالة، فالحضارة التي تكتفي بالاستهلاك دون صناعة الوعي، تشبه شجرة كثيفة الأوراق لكنها خاوية الجذور، لا تلبث أن تذروها الرياح.
وقد ركز المفكرون والمصلحون على البعد الأخلاقي، والفكري في قيام الحضارات وسقوطها، وبينوا أن الأزمة الكبرى تبدأ حين تنفصل القوة عن القيم، والعلم عن الهداية، ويختزل التقدم في الصناعة والاقتصاد، لأن الحضارة التي تبني الآلة، وتهدم الإنسان تحمل في داخلها بذور فنائها، يؤكد المودودي أن الإسلام لم يأت ليصنع "إنسانا ناجحا" فحسب، بل "إنسانا صالحا" يعرف غاية وجوده، ويوازن بين المادة والروح.
ومن الكتاب من تناول أسباب البناء، والسقوط الحضاري من منظور تربوي، وكان يرى أن الأمة الإسلامية ضعفت حين تحولت من أمة تحمل رسالة؛ إلى أمة منشغلة بصراعاتها الداخلية وشهواتها السياسية، وأوضحوا أن الاستبداد من أخطر أسباب سقوط الحضارات؛ لأنه يقتل روح المبادرة، ويحول الشعوب إلى قطعان خائفة عاجزة عن الإبداع، كما حذروا من الجمود الفكري الذي يجعل الأمة تعيش على أمجاد الماضي، دون أن تصنع حاضرها.
وقد عبر مصطفى السباعي عن هذه الحقيقة بقوله: "الأمة التي تفقد أخلاقها، تفقد وجودها قبل أن تفقد أرضها"، هذه كلمة تختصر سنن التاريخ؛ فكم من دولة بقيت حدودها قائمة، لكنها فقدت روحها، وهويتها، فتحولت إلى جسد بلا حياة، وقد كان السباعي يربط دائما بين قوة الأمة، وبين قوة الأسرة، والتربية، والتعليم، لأن الحضارة في نظره لا تصنع في ساحات السياسة فقط، بل تصنع أولا في ضمير الإنسان.
ومن كلماته الجميلة: "إن الاستعمار لا يستطيع أن يغلب أمة قوية الأخلاق، قوية الإيمان، قوية الوحدة".
وفي هذا المعنى إشارة إلى أن معركة الحضارة ليست معركة سلاح فقط، وإنما معركة وعي وقيم وتماسك اجتماعي، فالأمم قد تهزم عسكريا ثم تنهض من جديد، لكنها إذا هزمت أخلاقيا، وفكريا طال سقوطها، وعسر نهوضها.
وأجمع المصلحون على أن أول عامل في سقوط الحضارات هو الظلم، فمتى استشرى الظلم أفلت الحضارة بلا شك، واستندوا في ذلك لحديث لقرآن عن مصارع الجبارين والمستكبرين، قال تعالى: {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا}(الكهف:59)، فالظلم ليس مجرد خلل سياسي، بل إعلان عن فساد البنية الأخلاقية للأمة، وحين يصبح الفساد ثقافة، والأنانية منهجا، وتضيع العدالة الاجتماعية، فإن الأمة تبدأ رحلة الانهيار، ولو امتلكت أسباب الثراء والقوة.
ولعل من أوضح دروس التاريخ أن الحضارات لا تسقط فجأة، بل تموت ببطء، تبدأ القصة حين يضعف الضمير، وتتفكك الأسرة، ويحتقر العلم، ويقدم التافهون على أصحاب الكفاءة، وتتحول الثقافة إلى لهو فارغ، عندها يبدو المجتمع قويا في ظاهره، لكنه يكون قد فقد مناعته الداخلية، وكثيرا ما أشار المؤرخون إلى أن سقوط الأندلس لم يكن نتيجة قوة الخصوم وحدها، بل بسبب التنازع الداخلي، والانغماس في الترف، وضياع الوحدة الفكرية والسياسية.
وقد لخص القرآن هذه السنة الحضارية الخالدة بقوله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}(الرعد:11)، هذه الآية تمثل قانونا، وسنة كونية لا تنهدم، تحكم صعود الأمم، وهبوطها، إن التغيير يبدأ من الإنسان: من فكره، وأخلاقه، وإرادته، وعلاقته بالله ثم بالحياة؛ ولذلك فإن الأمة التي تريد أن تستعيد مكانتها لا يكفيها أن تكثر من الحديث عن الماضي المجيد، بل عليها أن تبني إنسانا جديدا: إنسانا يحمل العلم مع الإيمان، والحرية مع المسؤولية، والعمل مع الأخلاق، فالحضارة ليست خطبا حماسية، وإنما هي تربية طويلة، وانضباط في السلوك، واحترام للوقت، وإعلاء لقيمة العلم والعدل.
خلاصة القول: أن الحضارة ليست تراكما للحديد، والإسمنت، بل تراكم للمعاني الكبرى في ضمير الأمة، فإذا غابت المبادئ والأخلاق، تحول الإنسان إلى رقم في سوق الاستهلاك، وبدأت الحضارة تفقد روحها، وإن بقيت مبانيها شاهقة، وما التاريخ إلا شاهد صامت يكرر الحقيقة نفسها: أن الأمم تسقط أولا من داخلها، ثم يسمع العالم صوت سقوطها بعد ذلك بزمن طويل.

المقالات

