- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
ربنا تبارك وتعالى واسع الرحمة، عظيم المغفرة، حليم ستير، عفو، لم يؤيس عباده من رحمته، فتح باب الرجاء على مصراعيه، لكل قلب تائب، وفؤاد نادم، فقال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم}(الزمر:53).
الله عز وجل يغفر الذنب مهما عظم، ويقبل التوبة مهما تكرر الخطأ، ويبدل السيئات حسنات إذا صدق العبد في رجوعه إليه، ويخبر سبحانه عن نفسه فيقول: {ورحمتي وسعت كل شيء}(الأعراف:156)، ويقول: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم}(الحجر:49)، هذه الآيات وغيرها تسكب في القلوب طمأنينة، وتزرع في النفوس أملا لا ينقطع، وتذكرنا أن الله تعالى رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، وأنه سبحانه لا يرد من طرق بابه ورجع إليه..
وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن لله مائة رحمة، أنزل منها في هذه الدنيا رحمة واحدة، فبها يتراحم الخلق جميعا، حتى إن الدابة لترفع رجلها عن وليدها خشية أن تصيبه، ثم ادخر سبحانه لعباده يوم القيامة تسعا وتسعين رحمة، فقال صلى الله عليه وسلم: (جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) رواه البخاري. فكيف ييأس عبد من رحمة الله وهو يعلم أن ما في الدنيا من رحمة بين الخلق جميعا إنما هو جزء واحد، وأن ما عند الله يوم القيامة أعظم وأوسع وأرحب؟!!
تأملوا ذلك الموقف الذي شهده النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، حين رأوا امرأة من السبي ـ من أسرى الحرب ـ تبحث عن ولدها المفقود، تتقلب بين الأطفال، قلبها يضطرب شوقا وحرقة، وعيناها تفيض دمعا، حتى إذا عثرت عليه ألصقته ببطنها وأرضعته وهي تبكي فرحا وحنانا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا، فقال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها) رواه البخاري، فالله عز وجل أرحم بنا من رحمة أمهاتنا بنا..
وبعد هذا البيان لعظم رحمة الله، يبقى الإنسان كثير الزلل، يحتاج دوما إلى التوبة والرجوع إلى الله، فالإنسان بطبيعته ضعيف خطاء، سريع الانقياد لشهواته وأهوائه، قد يضل الطريق وينحرف عن الصراط المستقيم، تارة بجهل يغلبه فيغطي بصيرته، وتارة بهوى يسيطر عليه فيعمي قلبه، وتارة بإغراء عابر أو شهوة توقعه في مهاوي المعصية، حتى يصبح أسيرا لشهواته، تغرقه في لذة مؤقتة محرمة، وتورثه الحسرة والندامة، وما أقبح أن يبيع الإنسان دينه بلذة ساعة، وما أخسر أن يفرط في رضوان الله لأجل شهوة زائلة، قال تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب}(آل عمران:14)، وقال تعالى: {وخلق الإنسان ضعيفا}(النساء:28)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) رواه مسلم.
ومع ذلك، فكلنا ذوو خطأ، والمعصوم من عصمه الله جل وعلا، فما خلقنا الله ملائكة لا يعصون، ولا بشرا لا يخطئون، وإنما خلقنا بشرا تتجاذبنا قوى الخير والشر، فنحن بين ارتفاع وانخفاض، بين طاعة ومعصية، بين يقظة وغفلة، كما قال ابن القيم رحمه الله: "تارة يغلب خيره شره فهو خير من الملائكة، وتارة يغلب شره خيره فهو شر من البهائم"، ولذلك كان على الإنسان إذا وقع في خطأ أو معصية أن يبادر بالعودة والتوبة إلى الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) رواه الترمذي. وقال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم) رواه مسلم، فالخطأ لازم، والتقصير واقع، لكن الخطر كل الخطر أن يبقى المرء على خطئه، وأن يدوم على معصيته، دون توبة ورجوع إلى الله، فإياك أن تدوم على المعصية! فإن المعصية شؤم، وإن المعصية عذاب، وإن المعصية وحشة، وإن المعصية غضب من الله الواحد الديان..
غير أن رحمة الله تظل أوسع من خطايانا، وأعظم من ذنوبنا، فهي باب مفتوح لا يغلق فما أرحم الله! وما أحلم الله! القائل سبحانه: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}(آل عمران:135)، فما جزاؤهم؟ {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين}(آل عمران:136)، وهو سبحانه القائل في الحديث القدسي: (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي، وقال: (يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم) رواه مسلم.
فيا مخطئا! وكلنا ذوو خطأ، ويا من سقط في المعصية! وكلنا ذاك الرجل، ويا من زلت قدمه! وكلنا ذاك الإنسان، اعلم أن باب التوبة مفتوح، وأن رحمة الله واسعة، فصحح أخطاءك، وعالج أمراضك، واغسل أدرانك، واستأنف حياتك في ثوب التوبة النقي، واسمع لنداء الله جل وعلا: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}(النور:31).
عباد الله: اعلموا أن العمر قصير، وأن الأيام معدودة، فلا تغتروا بطول الأمل، ولا تركنوا إلى التسويف، فإن كلمة "سوف" جندي من جنود إبليس، يصد بها الناس عن التوبة ويؤجل بها رجوعهم إلى الله حتى يفجأهم الموت.
وتذكروا أن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل، فاغتنموا ساعاتكم قبل أن تطوى صحائفكم، وإذا كانت نظرة الناس إليكم تمنعكم من المعصية، فإن الله أولى أن يراقب ويخشى، قال تعالى: {فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين}(التوبة:13)..
فأصلحوا ما بينكم وبين الله بتوبة صادقة، وتقربوا إليه بطاعته، عسى أن تكونوا من الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) رواه الترمذي.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
خلق الله سبحانه الخلق، فهداهم إلى الخير والحق، وعرفهم طريق الشر ليجتنبوه، ولعلمه بضعف الإنسان وأنه كثير الخطأ، فتح له باب التوبة والرجوع إليه في أي وقت وزمان ومكان، بابا لا يغلق إلا في حالة الاحتضار، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) رواه الترمذي.
فليبادر كل واحد منا إلى التوبة قبل فوات الأوان، وليقلع عن الذنب، ويرد المظالم، ويحافظ على الصلاة، ويجالس الصالحين، ففي صحبتهم حياة للقلوب وعون على الثبات، قال تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب}(النساء:17)، وقال صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) رواه الحاكم.
إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها فلا تدري السكون متى يكون
فاغتنموا أوقاتكم وسارعوا إلى التوبة، فإن العمر قصير والأجل قريب، قال تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين}(آل عمران:133)، واعلموا أن التوبة الصادقة تجب وتمحو ما قبلها كما قال صلى الله عليه وسلم: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) رواه ابن ماجه.
وختاما عباد الله: أسعد ساعة في العمر هي ساعة محاسبة الإنسان لنفسه، حين يقف المرء متذكرا ما فرط في جنب الله، فينكسر قلبه وتدمع عينه، فلا يجد إلا أن يرفع يديه إلى ربه مستغفرا تائبا، راجيا أن يبدل الله سيئاته حسنات..
فالبدار البدار قبل أن يغلق دوننا باب التوبة، والرجوع الرجوع قبل أن يفجأنا الأجل، قال تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}(النور:31)..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..

المقالات

