كيف نجدد الإيمان في قلوبنا

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله مقلب القلوب ومصرفها، الذي يحيي القلوب بالإيمان، ويزكيها بالطاعة، ويجدد فيها نور اليقين، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الإيمان حياة للقلوب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الدال على كل خير، المرشد إلى سبيل الرشاد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]، {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70-71]
أما بعد:
عباد الله: من أعظم القضايا التي ينبغي أن يعتني بها المسلم في حياته: تجديد الإيمان في قلبه، لأن الإيمان ليس شيئا ثابتا لا يتغير، بل يزيد وينقص، ويقوى ويضعف، قال تعالى: {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [الفتح: 4]، وقال سبحانه: {ويزداد الذين آمنوا إيمانا} [المدثر: 31]. فالإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والقلوب يعتريها ما يعتريها من الغفلة والفتور، ولذلك كان لا بد من تجديده وإحيائه.
 
وتجديد الإيمان – عباد الله – معناه: إحياء ما ضعف منه، وتقوية ما فتر، ورد القلب إلى حالة الصدق واليقين والخشية، حتى يعود حيا بنور الله، متصلا به، معظما لأمره.
 
وقد دلت النصوص على الحاجة إلى هذا التجديد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) رواه الحاكم، وكان الصحابة – رضي الله عنهم – مع كمال إيمانهم يقول أحدهم لصاحبه: "تعال نؤمن ساعة"، أي نتذاكر الإيمان ونحيي القلوب بذكر الله. ومن أعظم ما يجدد الإيمان: كثرة ذكر الله تعالى، وتدبر القرآن الكريم، فإن القلوب لا تحيا إلا بهما، قال سبحانه: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28]، وقال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23]، فكلما أقبل العبد على القرآن والذكر شعر بحياة قلبه، وزوال قسوته، وانشراح صدره، لأن القرآن نور، والذكر حياة، ومن ابتعد عنهما قسا قلبه وضعف إيمانه.
 
أيها المسلمون: ومن أعظم أسباب تجديد الإيمان كذلك: صحبة الصالحين، وحضور مجالس العلم والذكر، فإن الإنسان يضعف وحده ويقوى بإخوانه، ولهذا قال تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} [الكهف: 28]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم. فكم من قلب غافل عاد إلى الله بسبب مجلس ذكر أو كلمة صادقة سمعها، وكم من إنسان تغيرت حياته حين جالس أهل الخير والصلاح. وفي المقابل فإن من أعظم ما يضعف الإيمان ويميت القلب: الإصرار على المعاصي، والانشغال المفرط بالدنيا، والغفلة عن الآخرة، فإن الذنوب تظلم القلب وتذهب نور الإيمان شيئا فشيئا، قال تعالى: {كلا بل ۜ ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14].
ولذلك كان من وسائل تجديد الإيمان: التوبة الصادقة، وكثرة الاستغفار، ومحاسبة النفس، وتذكر الموت والوقوف بين يدي الله تعالى، فالمؤمن الصادق لا يغتر بإيمانه، بل يخاف على قلبه من التقلب والفتنة، ويسأل الله دائما الثبات، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) رواه الترمذي.
 
عباد الله: إن حاجتنا إلى تجديد الإيمان اليوم أشد من أي وقت مضى، لكثرة الفتن، وتنوع الشواغل، وغلبة الغفلة، وانشغال الناس بالدنيا، حتى ضعفت صلتهم بالله، وقل تأثرهم بالطاعة، وأصبحت القلوب قاسية لا تخشع، ولا تتأثر، وهذا من أعظم البلاء. قال تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك} [البقرة: 74]، فالقلب إذا قسا، لم ينتفع بالموعظة، ولم يتأثر بالقرآن، ولم يندم على الذنب، فكان لا بد من تجديد الإيمان ليعود القلب حيا كما أراد الله.
 
أيها المسلمون: إن تجديد الإيمان ليس أمرا نظريا، بل له وسائل عملية واضحة دلت عليها النصوص، ومن أعظمها: الرجوع إلى القرآن تلاوة وتدبرا، فإن القرآن هو حياة القلوب، قال تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه} [الأنعام: 122]، أي بالإيمان والقرآن. فمن أراد أن يجدد إيمانه، فليكثر من قراءة القرآن بتدبر، القراءة الواعية التي تحرك القلب، وتوقظه، وتذكره بالله واليوم الآخر.
 
ومن وسائل تجديد الإيمان: الإكثار من ذكر الله، فإن الذكر يحيي القلوب، ويجدد صلتها بالله، قال تعالى: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت) رواه البخاري، فالذكر هو حياة القلب، فإذا أكثر العبد منه، شعر بحلاوة الإيمان، وقوة الصلة بالله.
 
ومن الوسائل كذلك: التوبة والاستغفار، فإن الذنوب تضعف الإيمان، وتظلم القلب، ولا يزال ذلك إلا بالتوبة، قال تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا} [النور: 31]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء…) رواه الترمذي، فلا يزول هذا الأثر إلا بالتوبة، فالتوبة تجديد للإيمان، وتنقية للقلب.
 
أيها المسلمون: ومن وسائل التجديد: مجالسة الصالحين، وسماع المواعظ، وحضور مجالس العلم، فإن القلوب تضعف وتقوى، ومجالسة أهل الإيمان تحيي القلوب، وتذكر بالله، وكان الصحابة يفعلون ذلك، فيتذاكرون الإيمان، فتقوى قلوبهم. وكذلك من الوسائل: العمل الصالح، فإن الإيمان يزيد بالعمل، وكلما عمل العبد طاعة، ازداد إيمانه، وشعر بحلاوته، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) رواه البخاري.
 
أيها المؤمنون: لتجديد الإيمان فوائد عظيمة في حياة المسلم، من أعظمها: الثبات على الدين، فإن القلب إذا كان متجدد الإيمان، كان ثابتا لا تزعزعه الفتن، ولا تغريه الشهوات، قال تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا} [إبراهيم: 27].
 
ومن فوائده: الطمأنينة والراحة، فإن القلب إذا امتلأ بالإيمان، اطمأن وهدأ، مهما اشتدت الظروف، قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28].
 
ومن فوائده كذلك: صلاح السلوك، فإن الإيمان إذا تجدد في القلب، انعكس على الجوارح، فاستقام العبد، وابتعد عن المعاصي، وأقبل على الطاعات، لأن القلب هو الملك، وإذا صلح صلح الجسد كله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله) رواه البخاري.
 
ومن فوائده: القرب من الله، ونيل محبته، فإن الله يحب المؤمنين الصادقين، الذين يجددون إيمانهم، ويقبلون عليه.
 
عباد الله: إن تجديد الإيمان ليس أمرا موسميا، بل هو عمل مستمر، يحتاجه العبد في كل حين، لأن القلب يتعرض للضعف والغفلة، فلا بد من تعاهده، كما يتعاهد الإنسان ثوبه إذا بلي، وكما يتعاهد زرعه إذا ضعف.
فاجعلوا لأنفسكم نصيبا يوميا من تجديد الإيمان، بذكر الله، وقراءة القرآن، ومحاسبة النفس، والتوبة، حتى تلقوا الله بقلوب سليمة.
 
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
عباد الله: اعلموا أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه يحتاج إلى تجديد، وأن تجديده يكون بالقرآن، والذكر، والتوبة، والعمل الصالح، ومجالسة الصالحين، وأن لهذا التجديد آثارا عظيمة في الثبات والطمأنينة وصلاح الحياة؛ فيا عباد الله: جددوا إيمانكم، وأحيوا قلوبكم، ولا تتركوا الغفلة تستولي عليكم، فإن القلوب إذا غفلت قست، وإذا قست بعدت عن الله، ولا نجاة للعبد إلا بقلب حي عامر بالإيمان.
 
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة