- اسم الكاتب: إسلام ويب
- التصنيف:خواطـر دعوية
إن المتأمل في العبادات الإسلامية يجد أنها ترسخ لمفهوم العبودية، فكلها فيها معنى الاستسلام والخشوع والخضوع، ولزوم عتبة التعبد والتذلل لله تعالى؛ إذ العبودية في حقيقتها تمام الحب مع تمام الذل، حب تام، وذل كامل.
والصلاة هي عمود الدين، وهي إحدى هذه العبادات، وهي لقاء بين العبد وربه كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه) متفق عليه، ولذلك كانت محبة الصلاة علامة على محبة الله، فكلما ازداد العبد لربه حبا أكثر من الوقوف بين يديه، وأما تمام الذل فهو في السجود الذي هو ذروة سنام هذه الصلاة؛ فهو الموضع الذي يتجلى فيه كمال الذل لله مع كمال الحب له، وهو اللحظة التي يلتقي فيها العبد بخالقه في أقرب صورة ممكنة.
السجود ليس مجرد ركن مادي، بل هو تجربة روحية عميقة تختزل معنى الوجود الإنساني في مشهد الخضوع للملك القدوس.
أولا: السجود في القرآن
لقد احتفى القرآن الكريم بذكر السجود، فتعدد ذكره في مواطن متكاثرة وبصيغ مختلفة، تارة بالأمر به، وتارة بذكر أهله، وتارة بمدح فاعله، وتارة بذم تاركه.. فلم يكن ذكره في القرآن مجرد أخبار، بل كانت أوامر تشريعية ورسائل تربوية.
ولقد أخبر الله تعالى في القرآن أن السجود عبادة جميع المخلوقات، فقال: (ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون . يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون)[النحل:49-50]، وقال: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ۖ وكثير حق عليه العذاب ۗ ومن يهن الله فما له من مكرم ۚ إن الله يفعل ما يشاء)[الحج:18].
والملائكة تسجد لربها سبحانه، خضعانا لأمره، وتسبيحا بحمده (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون)[الأعراف:206].
وروى الترمذي، عن أبي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أطت السماء وحق لها أن تئط ؛ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجدا)[الترمذي].
وهو صفة الأنبياء والمرسلين: (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا)[مريم:58].
وصفة العلماء العاملين: (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا)[الإسراء:107]
وقد أمر الله عباده المؤمنين بالسجود له في مواضع من كتابه، كقوله: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)[الحج: 77].، وكقوله في سورة النجم: (فاسجدوا لله واعبدوا).. وغيرها من الآيات.
وفي سورة العلق، ختم الله أول ما نزل من الوحي بقوله: {واسجد واقترب}، ليقرر حقيقة أزلية: أن القرب ما بين العبد وبين الله إنما يقطع بالجباه لا بالأقدام. فكلما زاد تذلل العبد في سجوده، زاد قربه من خالقه وباريه.
وفي السنة النبوية، كان السجود هو الملاذ الذي يفزع إليه النبي ﷺ؛ ففي الحديث الصحيح: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"(رواه مسلم). هذا القرب ليس قربا مكانيا فحسب، بل هو قرب استجابة، وقرب رحمة، وقرب أنس. ومن هنا كان التوجيه النبوي: "فأكثروا الدعاء"، لأن السجود هو "الحالة المثالية" لفتح أبواب السماء؛ فحين يضع الإنسان أسمى ما فيه ـ وهو وجهه ـ على أدنى ما حوله ـ وهو التراب أو الأرض ـ يكون قد أعلن استسلامه الكامل لله، والملك الكريم لا يرد من انكسر على عتباته.
ثانيا: الأثر التربوي والأخلاقي
إن السجود مدرسة أخلاقية متكاملة، تترك أثرها في سلوك المسلم قبل أن تتركه على سيماه.
وأول هذه الآثار هو "كسر كبرياء النفس"؛ فالإنسان بطبعه يميل إلى الطغيان إذا رأى نفسه استغنى، والسجود اليومي المتكرر هو تذكير دائم للعبد بأصله الطيني، وبفقره الذاتي أمام غنى الله المطلق. هذا الانكسار يولد في النفس تواضعا مع الخلق، فلا يرى الساجد نفسه خيرا من أحد، بل يرى الفضل كله لله.
كما أن السجود يورث "السكينة والوقار"؛ فالضغط النفسي والاضطراب الذي يعيشه إنسان العصر الحديث يجد ترياقه في سجدة طويلة يبث فيها العبد همومه لربه. هذه السكينة تنعكس على ملامح المؤمن، ظاهرا وباطنا:
فظاهرا: كما قال سبحانه عن المؤمنين الساجدين {سيماهم في وجوههم من أثر السجود}(الفتح:29).
وأما باطنا: فإن السجود يمنح صاحبه نورا داخليا يسري في الروح فيفيض على الوجه، وهيبة ربانية يلبسها الله لمن أدمن الوقوف والسجود بين يديه.
ثالثا: ثمرات السجود في معاش العبد ومآله
تتنوع ثمرات السجود لتشمل الدارين، ففي الدنيا هو "جلاء الهموم"؛ فقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم حين ضاق صدره بكلام المشركين: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين}(الحجر:97-98). فالسجود يمتص طاقة الحزن، ويفرغ شحنات القلق، ويبدلها طمأنينة ويقينا.
أما في الآخرة، فالثمار أعظم وأبقى.
فالسجود هو "حائط الصد أمام النار"؛ إذ حرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، كما ورد في الصحيحين.
وهو "صك الرفعة"؛ فبكل سجدة يرفع الله العبد درجة ويحط عنه بها خطيئة.
وأعظم الثمار على الإطلاق هي "مرافقة النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة"، وهو الثمن الذي حدده المصطفى ﷺ لربيعة بن كعب حين قال له: "فأعني على نفسك بكثرة السجود"رواه مسلم.
خاتمة:
إن السجود هو التجارة الرابحة التي لا تعرف الكساد، وهو "المعراج اليومي" الذي نملك مفاتيحه في كل صلاة. إننا بحاجة اليوم ـ أكثر من أي وقت مضى ـ أن نعيد للسجود هيبته في صلواتنا، فلا نجعله نقرا كنقر الغراب، بل نجعله وقفة تأمل، ولحظة بوح، ومحطة تزود.
يا من أثقلته الذنوب، ويا من ضاقت به السبل، ويا من يطمح لأعلى الرتب في جنات النعيم: دونك بساط السجود، فارم عليه همومك، وأحمل فيه أمانيك، وثق أن ربا أمرك بالسجود ليقربك، لن يتركك وحيدا أبدا.

المقالات

