- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العقيدة
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل شهادة التوحيد مفتاح الدخول في الإسلام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]، {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70-71]
أما بعد:
عباد الله: من أعظم ما يقوم عليه هذا الدين، ومن أهم أصوله التي لا يصح إسلام عبد إلا بها: شهادة أن محمدا رسول الله، فهي قرينة شهادة أن لا إله إلا الله، لا تنفك عنها، ولا يقبل إيمان أحد إلا بهما معا، وهذه الشهادة ليست مجرد لفظ يقال باللسان، بل هي حقيقة عظيمة، ومعنى جليل، يترتب عليه التزام كامل في الاعتقاد والسلوك والعمل. فمعنى قولنا: أشهد أن محمدا رسول الله أي: أقر وأصدق وأتيقن أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله، أرسله بالحق، وأمر بطاعته، ونهى عن مخالفته، وجعل اتباعه طريق النجاة، قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7].
أيها المسلمون: هذه الشهادة تقتضي أمورا عظيمة، أولها: تصديقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر، فلا يشك في خبره، ولا يقدم عليه قول أحد، لأنه لا ينطق عن الهوى، قال تعالى: {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3-4]، فمن صدق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر، فقد حقق هذا الركن العظيم.
وثانيها: طاعته صلى الله عليه وسلم فيما أمر، فلا يقدم رأي على أمره، ولا هوى على سنته صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80].
وثالثها: اجتناب ما نهى عنه وزجر صلى الله عليه وسلم، فإن من عصاه فقد خالف مقتضى هذه الشهادة، قال الله تعالى: قال الله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63].
ورابعها: ألا يعبد الله إلا بما شرع، فلا يتقرب إلى الله إلا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، لأن العبادة توقيفية، لا مجال فيها للاجتهاد بلا دليل. وكثير من الناس يظنون أن هذه الشهادة مجرد كلمة تقال، بينما حقيقتها أنها منهج حياة، يظهر أثرها في الصلاة، والصيام، والأخلاق، والمعاملات، بل في كل تفاصيل الحياة، فمن شهد أن محمدا رسول الله حقا، وجب عليه أن يجعل سنته صلى الله عليه وسلم ميزانا لكل شيء، فما وافقها قبله، وما خالفها تركه، وهذا هو الصدق في الشهادة.
أيها المسلمون: إن من أعظم ما يدل على صدق هذه الشهادة: محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، فإن المحبة الصادقة تقتضي الاتباع، لا مجرد الادعاء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) رواه البخاري، فمحبته ليست عاطفة مجردة، بل هي التزام بطاعته، وحرص على سنته، واقتداء به في كل شأن من شؤون الحياة.
ومن مظاهر تحقيق هذه الشهادة: اتباع سنته والاقتداء بهديه صلى الله عليه وسلم، في العبادات والمعاملات، في الظاهر والباطن، قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21]، فمن أراد أن يكون صادقا في شهادته، فليجعل النبي صلى الله عليه وسلم قدوته، في صلاته، وأخلاقه، وتعاملاته، وصبره، وحلمه، وعدله.
عباد الله: من مظاهر الخلل في هذه الشهادة: تقديم أقوال الناس على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو الاستخفاف بأحاديثه صلى الله عليه وسلم، أو ردها بدعوى مخالفتها للعقل أو الواقع، وهذا من أعظم الانحراف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله، ومن رد سنته فقد رد على الله، قال الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65].
ومن مظاهر الخلل أيضا: الابتداع في الدين، بأن يعبد الله بغير ما شرع، أو تضاف عبادات لم يأت بها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يناقض مقتضى الشهادة، لأن من شهد أن محمدا رسول الله، وجب عليه أن يلتزم بما جاء به، لا أن يحدث في الدين ما ليس منه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري.
أيها المؤمنون: لهذه الشهادة آثار عظيمة في حياة المسلم، فهي التي تنظم علاقته بربه، وبنفسه، وبالناس، وهي التي تضبط عبادته، وتوجه سلوكه، وتقيم أخلاقه. فمن حقق هذه الشهادة، كان صادقا، أمينا، عفيفا، رحيما، متبعا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء ليتمم مكارم الأخلاق، كما قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) رواه الترمذي.
ومن أعظم ثمرات هذه الشهادة: النجاة في الدنيا والآخرة، فإن من أطاع النبي صلى الله عليه وسلم دخل الجنة، ومن عصاه فقد أبى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) رواه البخاري. فهذه الشهادة مع شهادة ألا إله إلا الله هي طريق النجاة، ومنهج الحياة.
عباد الله: إن واقع الأمة اليوم يحتاج إلى تجديد معنى هذه الشهادة، فكم من مسلم يقولها بلسانه، لكنه يخالفها في عمله، فيترك السنة، ويقع في البدعة، أو يقدم هواه على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من أعظم الخلل. فواجبنا أن نحيي هذا المعنى في قلوبنا، وأن نربي أنفسنا وأبناءنا على تعظيم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والتمسك بها، والعمل بها في كل شأن.
فيا عباد الله: حققوا هذه الشهادة في حياتكم، واجعلوها منهجا عمليا، وميزانا لأعمالكم، فإنها أصل الدين، وعليها النجاة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن شهادة أن محمدا رسول الله التزام كامل بتصديقه وطاعته واتباعه واجتناب ما نهى عنه، وأن يكون هو صلى الله عليه وسلم الميزان الذي تعرض عليه الأقوال والأفعال، وأن تقدم سنته على كل رأي وهوى، وأن يعبد الله بما شرع، لا بما استحسنه الناس.
وهي كذلك محبة صادقة للنبي صلى الله عليه وسلم، تظهر في الاقتداء به، والحرص على هديه، والغيرة على سنته، والحذر من مخالفته أو الابتداع في دينه.
وإن واقع المسلمين اليوم يكشف عن حاجة ملحة إلى إعادة إحياء هذا المعنى، من خلال التمسك بالسنة، ونشرها، وتعليمها، والعمل بها، والرجوع إليها في كل شأن، فإن العزة في اتباعه، والنجاة في طاعته، والخسران في مخالفته، فمن أراد النجاة، فليلزم هديه، وليجعله قدوته في عبادته وأخلاقه ومعاملاته، فإن ذلك هو الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقالات

