- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:السيرة والأخلاق
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
النصيحة معلم بارز من معالم المجتمع الإسلامي، وأساس من أساسيات الأخوة، وهي هدية غالية، ويد حانية تمتد لتمسح عن العين غشاوة الغفلة، وتقود الخطى برفق نحو طريق الجنة، وما أجمل أن نعيش في مجتمع يحرص فيه المرء على أخيه كحرصه على نفسه، يبصره بعيوبه، ويصحح له خطأه بحب، فالنصيحة ليست سوطا للتشهير والتجريح، بل بلسم شاف يهديه الأخ لأخيه، قبل أن تكون موعظة أو توجيها يقال.
وكم من بيت تفرق أهله ثم جمع الله شملهم بالنصيحة الصادقة، وكم من قلب غشيته الغفلة فأيقظته كلمة مخلصة من أخ أو صاحب، وكم من نفس تردت في مهاوي المعاصي فأنقذتها مشورة ناصح أمين، فالنصيحة دواء ناجع، وبلسم شاف، ومفتاح صلاح، وسبب هداية، وعنوان محبة وإخاء، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) رواه مسلم.
وقد أجمل النبي صلى الله عليه وسلم أهمية النصيحة في كلمتين فقال: (الدين النصيحة) رواه مسلم، جملة قصيرة المبنى، عظيمة المعنى، تحمل في طياتها أساسا من أسس الأخوة الإسلامية، وركنا من أركان بناء المجتمع المؤمن، حيث جعل عليه الصلاة والسلام النصيحة هي الدين كما جعل عرفة هو الحج، ليس لأن الدين كله هو النصيحة، ولا أن الحج كله هو عرفة، ولكن لما كان الوقوف بعرفة أعظم ركن من أركان الحج، كان ذلك دلالة على أهميته وعظمه، كذلك يشيرعليه الصلاة والسلام لأمته بأن النصيحة هي من أعظم دعائم الدين، فهي لبه وروحه، وبدونها يضعف بنيان الإسلام في النفوس والمجتمعات.
ومن هنا يتبين لنا أن النصيحة في الإسلام ليست أمرا ثانويا، ولا نافلة يختار المرء أداءها أو تركها، بل هي حق واجب، وركن في بناء المجتمع المسلم، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها من شروط بيعته، كما قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم) رواه مسلم.
وحين غابت النصيحة عن واقع المسلمين، وقل من يقوم بحقها، رأينا انحرافات في العقائد والأخلاق والمعاملات، لأن النصيحة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إنها تتسع لتشمل حتى شؤون الدنيا ومعاملات الناس.
فإذا تقاعس المسلم عن أداء النصيحة، ودخل الشيطان عليه فقال له: "لا شأن لك بالآخرين"، "عليك نفسك لا توجه نصائح للناس"، غابت النصيحة، وقد قال الله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}(التوبة:71)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) رواه مسلم.
أيها المؤمنون: بعض الناس أساؤوا فهم النصيحة، فظنوها تعديا على الحرية الشخصية، أو تدخلا فيما لا يعني، حت صار البعض يستحي أو يخجل من إسداء النصيحة، وآخرون يرونها عيبا أو تدخلا غير مقبول، فإذا نصحت أحدهم قال لك: "وما شأنك بي؟ أنا حر فيما أفعل"، وهذه الحرية المزعومة ليست من الإسلام في شيء، بل هي تقليد أعمى لغير المسلمين، وقد جرت على المجتمعات شرورا ومفاسد كثيرة.
نعم، إن الحرية في الإسلام مكفولة في إقرار حقوق الإنسان وتحريم التعدي عليه، لكنها حرية منضبطة بشرع الله، لا تبيح ترك الصلاة، ولا إهمال الزكاة، ولا التفلت من أوامر الله ونواهيه، ومن هنا فإن النصيحة ليست تعديا على الحرية، بل هي صيانة لها، وحماية للعبد من أن يستعبد لغير الله، فالإنسان عبد لله عز وجل شاء أم أبى.
فالنصيحة واجب شرعي، وحق أخوي، وليست تدخلا في شؤون الآخرين كما يظن بعض الناس، بل هي رحمة وهداية، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حق المسلم على المسلم ست، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه) رواه مسلم.
عباد الله: الناصح الحق هو الذي يحمل في صدره قلب طبيب رفيق، يرجو الشفاء والنجاة للناس كما يرجوها لنفسه تماما، وإذا كانت النصيحة واجبا وبلسما للقلوب، فإنها لا تؤتي ثمارها إلا إذا التزم الناصح بآدابها، وأول تلك الآداب أن تكون خالصة لوجه الله تعالى، لا يراد بها رياء ولا سمعة ولا انتقاص للآخرين، وإنما يراد بها وجه الله أولا ثم إصلاح العبد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه البخاري، فالإخلاص هو روح النصيحة، وبدونه تتحول إلى جدال عقيم أو موعظة جوفاء.
ومن آداب النصيحة: الرفق، فالقلوب أوعية لا تفتح أبوابها بالغلظة والقسوة، بل تفتح بالرفق والمحبة والكلمة الطيبة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه ) رواه مسلم.
ومن آدابها: أن تقدم بحكمة ومراعاة لحال المنصوح وظروفه، فلا يختار لها وقت غضب ولا حال انشغال، بل تقدم في أنسب وقت وألطف عبارة، كما أمر الله تعالى نبيه بقوله: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}(النحل:125)، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي"، فالحكمة في النصيحة تجعلها هدية مقبولة، وكلمة نافعة، وسببا للهداية والإصلاح.
ومن آداب النصيحة كذلك: أن يسر المرء بنصحه، فيجعله بينه وبين أخيه، بعيدا عن أعين الناس ومسامعهم، فإن النصيحة في الملأ تنفر منه النفوس، وقد صاغ الإمام الشافعي رحمه الله هذا الأدب فقال: "من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه"
تعمدني بنصحك في انفرادي وجنبني النصيحة في الجماعه
فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: "المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير". فلنكن مفاتيح للخير، نبني المجتمع بكلماتنا الرقيقة، ونأخذ بأيدي بعضنا بعضا إلى رضوان الله وجنات النعيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
لخص النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة النصيحة ولمن تكون في حديث جامع فقال: (الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم.
قال العلماء: النصيحة لله عز وجل تكون بتعظيم أمره وإخلاص العبادة له، ولكتابه: بالإيمان به وتلاوته والعمل بما فيه، وللرسول صلى الله عليه وسلم بالاتباع والتوقير ونشر سنته، ولأئمة المسلمين بطاعتهم في المعروف ومعاونتهم على الحق، ولعامة المسلمين بالشفقة عليهم، وتعليمهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق ورحمة.
ومن أعظم صور النصيحة أن تكون بالقدوة الحسنة، فالمسلم يرى في أفعاله قبل أقواله، وقد كان دعاء عباد الرحمن: {واجعلنا للمتقين إماما}(الفرقان:74)، فالدعوة والنصيحة بالفعل والسلوك العملي أبلغ أثرا وأقوى وقعا في النفوس من مجرد الكلمة الطيبة، ومع ذلك فالكلمة الصادقة المخلصة مطلوبة أيضا، فهي تكمل أثر القدوة وتقويه، فيجتمع القول والعمل ليكونا أبلغ في الهداية والإصلاح.
وختاما: النصيحة مسؤولية عظيمة، وأساس في بناء الفرد والمجتمع، وهي عنوان الأخوة الصادقة، وبها تحفظ العقائد، وتصان الأخلاق، وتصلح المعاملات، وهي لا تؤتي ثمارها إلا إذا التزم الناصح بآدابها، من الإخلاص لله، والرفق واللين في القول، والحكمة في اختيار الوقت والعبارة.
فالنصيحة هدية غالية، وبلسم شاف، ووسيلة لنشر الخير ودفع الشر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) رواه مسلم.
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..

المقالات

