- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:أحوال القلوب
ذكرالله تعالى حياة للقلوب، ونور للبصائر، وشفاء للصدور، والقلوب تحتاج إلى الذكر كما تحتاج الأجساد إلى الطعام والشراب، بل أشد. وإذا كان المطر يحيي به الله الأرض بعد موتها، فإن ذكر الله يحيي القلوب بعد قحطها، ويغسل عنها أدران الغفلة، وينبت فيها أزهار الإيمان واليقين.
فإن للأرض جدبا لا يرفعه إلا الغيث، وللقلوب قحطا لا يزيله إلا ذكر الله عز وجل. وإذا كانت الأرض إذا انحبس عنها المطر تصدعت جنباتها، وذبلت أزهارها، ويبست أشجارها، فإن القلب إذا انقطع عن ذكر ربه أصابه من القسوة والوحشة والاضطراب ما لا يحيط به وصف.
وما أحسن تشبيه الذكر بالغيث؛ فكما ينزل المطر على الأرض الميتة فتحيا بعد موتها، كذلك تنزل كلمات الذكر على القلب فتبعث فيه الحياة بعد غفلته، والقوة بعد ضعفه، والأنس بعد وحشته، والنور بعد ظلمته.
لقد كشف القرآن عن هذه الحقيقة العظيمة في آية جامعة، فقال سبحانه: {أومن كان ميتا فأحييناه} [الأنعام: 122]. قال غير واحد من المفسرين: كان ميت القلب بالجهل والغفلة فأحياه الله بالإيمان والهدى. ولا حياة للقلب إلا بمعرفة الله وذكره ومحبته.
ولهذا قال سبحانه: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28].
وقد جاءت الآية بأسلوب الحصر والتنبيه؛ فكأنها تنادي في الناس جميعا: إن كنتم تطلبون سكينة القلب وطمأنينة النفس فطريقها هنا، لا في كثرة المال، ولا في زخارف الدنيا، ولا في متع الشهوات، وإنما في ذكر الله.
وكم جرب الناس من أبواب الراحة ما جربوا، فوجدوا أن القلب لا يستقر على شيء استقراره على ذكر خالقه ومولاه.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الناس ذكرا لله، حتى وصفت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حاله فقالت: "كان يذكر الله على كل أحيانه" رواه مسلم.
وكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة؛ لأنها من أعظم ميادين الذكر، وكان يكثر من التسبيح والتحميد والاستغفار والدعاء، يعلم أمته بذلك أن حياة القلب لا تنال إلا بدوام الصلة بالله تعالى.
ولذلك أمر الله عباده بالإكثار من الذكر فقال: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا . وسبحوه بكرة وأصيلا} [الأحزاب: 41-42].
ولم يكتف الشرع بالأمر بالذكر، بل بين عظيم منزلته وثمرته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت" [البخاري].
فتأمل هذا التشبيه النبوي البليغ؛ لم يجعل الفرق بين الذاكر والغافل كفرق العالم والجاهل أو المجتهد والمقصر، بل جعله كفرق الحي والميت؛ لأن الذكر هو روح القلب التي بها يحيا.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟".
وهل رأيت سمكة تبقى حية خارج الماء؟ كذلك القلب إذا فارق الذكر زمانا طويلا ذبلت فيه معاني الإيمان، وضعفت حرارة اليقين، واستوحش من الطاعة، واستأنس بالغفلة.
وكان السلف الصالح يدركون هذه الحقيقة إدراكا عجيبا. قال الحسن البصري رحمه الله: "اطلبوا الحلاوة في ثلاثة: في الصلاة، وفي الذكر، وفي قراءة القرآن، فإن وجدتموها وإلا فاعلموا أن الباب مغلق".
وقال ثابت البناني رحمه الله: "إني لأعلم متى يذكرني ربي". فقيل له: وكيف تعلم ذلك؟ قال: "إذا ذكرته ذكرني".
وذلك مأخوذ من قول الله عز وجل في الحديث القدسي: "فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم" [البخاري]، وقوله سبحانه: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152].
وأي شرف أعظم من أن يذكرك رب العالمين في الملأ الأعلى؟! وأي كرامة أجل من أن يكون العبد مذكورا عند الله وهو يعيش بين أهل الأرض؟
ومن أعظم آثار الذكر أنه يطرد القسوة عن القلب. فالغفلة إذا استحكمت أورثت القسوة، والقسوة تحجب العبد عن الانتفاع بالمواعظ والآيات، أما الذكر فإنه يلين القلب ويجعله حاضرا مع الله.
قال الله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23].
ومن تأمل أحوال الناس وجد أن القلوب لا تظمأ إلى شيء ظمأها إلى الذكر، لكنها قد تخدع نفسها فتطلب الري في غير مورده. فتجري خلف الدنيا، وتلهث وراء الشهوات، ثم تعود أكثر فراغا واضطرابا، لأن القلب خلق لمعرفة الله وذكره، كما خلقت العين للإبصار، والأذن للسماع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة". وكان يقصد بذلك ما يجده المؤمن من لذة الإيمان والأنس بالله وذكره.
وصدق رحمه الله؛ فإن للذكر نعيما يعجز اللسان عن وصفه، لا يعرفه إلا من أكثر من التسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار، وجعل لسانه رطبا بذكر الله.
فيا من يشكو قسوة قلبه، أكثر من الذكر، ويا من أثقلته الهموم، أكثر من الذكر، ويا من أرهقته الفتن والشهوات، عليك بالذكر.
ويا من يريد صلاح قلبه واستقامته، اجعل لك وردا دائما من التسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار وقراءة القرآن، وحافظ على الأذكار وأوقاتها، كأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، وغيرها.
نسأل الله أن يجعلنا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات، وأن يحيي قلوبنا بذكره، وألا يجعلنا من الغافلين

المقالات

