الإيمان والعمل الصالح

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله تعالى الذي جعل الإيمان حياة للقلوب، والعمل الصالح زادا للآخرة، ووعد المؤمنين العاملين بالهداية والسعادة والفلاح، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الإيمان أصل النجاة، والعمل الصالح ثمرة الإيمان وعلامته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إمام المؤمنين، وقائد الغر المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم ۚ والله غفور رحيم} [الحديد: 28]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ۖ واتقوا الله ۚ إن الله خبير بما تعملون} [الحشر: 18].
 
أما بعد:
 
عباد الله: الناس جميعا يبحثون عن السعادة والنجاة، ويسعون وراء ما يحقق لهم الطمأنينة والاستقرار، فمنهم من يظنها في المال، ومنهم من يراها في الجاه والمنصب، ومنهم من يفتش عنها في الشهوات والملذات، ولكن القرآن الكريم يقرر حقيقة لا تتبدل، وهي أن طريق السعادة الحقيقي، وطريق النجاة في الدنيا والآخرة، إنما يكون بالإيمان والعمل الصالح، قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97].
 
فتأملوا كيف جمع الله تعالى بين الأمرين: الإيمان والعمل الصالح، وجعل ثمرة ذلك حياة طيبة في الدنيا، وجزاء كريما في الآخرة.
 
فالإيمان لا بد أن يثمر عملا، والعمل الصالح لا ينفع صاحبه إلا إذا بني على أساس الإيمان، ولهذا كان هذان الأصلان متلازمين في كتاب الله تعالى، حتى قال بعض العلماء: كلما ذكر الإيمان في القرآن تقريبا ذكر معه العمل الصالح. فالإيمان بمنزلة الشجرة، والعمل الصالح بمنزلة ثمرتها، فإذا وجدت الشجرة ولم يكن لها ثمر، دل ذلك على مرضها وضعفها، وإذا ادعى الإنسان الإيمان ولم تظهر آثاره على سلوكه وأخلاقه وعبادته، وجب عليه أن يراجع نفسه، وأن يتفقد قلبه، وأن يسأل: أين أثر الإيمان الذي أزعم وجوده في قلبي؟
 
أيها المسلمون: لقد بين الله تعالى أن النجاة يوم القيامة لا تكون بالأنساب، ولا بالأموال، ولا بالمناصب، وإنما تكون بالإيمان والعمل الصالح، قال تعالى: {والعصر* إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [العصر: 1-3].
 
هذه السورة القصيرة جمعت أسباب النجاة كلها، فاستثنت من الخسارة أهل الإيمان والعمل الصالح. ولما سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل يدخله الجنة، أرشده إلى أصول الإيمان والطاعة، لأن الجنة ليست أماني ولا أحلاما، وإنما هي ثمرة الإيمان والعمل. ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يخافون من التقصير في العمل مع قوة إيمانهم، لأنهم فهموا أن الإيمان الصادق لا بد أن يتحول إلى واقع عملي. فمن آمن بالله تعالى حق الإيمان حافظ على الصلاة، وأدى الزكاة، وبر والديه، ووصل رحمه، وأحسن إلى الناس، وصدق في قوله، وأدى الأمانة، واجتنب الحرام، لأن الإيمان إذا استقر في القلب تحركت الجوارح بالطاعة.
 
أيها المؤمنون: وإن من أعظم ما يحتاج إليه المسلم في زماننا أن يربط بين الإيمان والعمل، لأن بعض الناس قد يظن أن الإيمان مجرد شعور داخلي، أو محبة في القلب، أو معرفة عقلية، بينما جاءت النصوص لتبين أن الإيمان حياة كاملة، تشمل القلب واللسان والجوارح. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) رواه البخاري.
 
فتأملوا كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال من شعب الإيمان. فالصلاة من الإيمان، وبر الوالدين من الإيمان، والصدق من الإيمان، والعفة من الإيمان، والرحمة بالخلق من الإيمان، والسعي في مصالح الناس من الإيمان.
 
ولذلك فإن المؤمن لا يفصل بين عقيدته وسلوكه، ولا بين عبادته وأخلاقه، بل يرى أن حياته كلها عبادة لله تعالى إذا صحت النية واستقام العمل. ومن أعظم الخلل أن يرى الإنسان نفسه مؤمنا كامل الإيمان، ثم يتهاون في الصلاة، أو يظلم الناس، أو يأكل الحرام، أو يقطع رحمه، فإن هذه الأعمال تناقض كمال الإيمان، وتضعفه في القلب.
 
عباد الله: وإذا كان الإيمان والعمل الصالح طريق النجاة في الآخرة، فإنهما كذلك طريق السعادة في الدنيا، لأن الله تعالى وعد المؤمنين العاملين بالحياة الطيبة، والحياة الطيبة ليست مقصورة على المال أو الصحة أو الجاه، بل هي طمأنينة القلب، وسكينة النفس، والرضا بالله تعالى، وحسن الظن به، والشعور بمعيته وتوفيقه.
 
وكم من إنسان يملك الأموال والقصور، ولكنه يعيش في قلق واضطراب، وكم من مؤمن بسيط الحال يعيش سعيدا مطمئنا لأنه عرف ربه، وامتلأ قلبه بالإيمان. ولذلك قال تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ۗ ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28]. إن الإيمان يمنح الإنسان قوة في مواجهة المصائب، وصبرا عند البلاء، وشكرا عند الرخاء، ويجعله يرى الدنيا بمنظار الآخرة، فلا تغره النعم، ولا تحطمه المحن، لأنه يعلم أن الأمر كله بيد الله تعالى، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
 
أيها المسلمون: وإن من أعظم ما يهدد الإيمان والعمل الصالح الغفلة عن الله تعالى، والانشغال بالدنيا، والتساهل في الذنوب، ولذلك كان الواجب على المؤمن أن يتعاهد إيمانه، وأن يجدد صلته بربه، وأن يكثر من الطاعات التي تزيد إيمانه، من صلاة وذكر وقراءة قرآن وصدقة وصلة رحم، وأن يبتعد عن المعاصي التي تضعف قلبه وتحجبه عن ربه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) رواه الحاكم.
 
فالإيمان يحتاج إلى تجديد، والعمل الصالح يحتاج إلى دوام، والثبات يحتاج إلى مجاهدة، ومن وفقه الله تعالى لذلك عاش سعيدا في دنياه، وفاز برضوان الله تعالى وجنته في أخراه.
 
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الإيمان أصل النجاة، والعمل الصالح سبيل الفلاح، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الدال على كل خير، والمحذر من كل شر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
 
عباد الله: الإيمان والعمل الصالح هما جناحا النجاة، ولا يستغني أحدهما عن الآخر، فالإيمان هو الأصل الذي تبنى عليه الأعمال، والعمل الصالح هو الثمرة التي تدل على صدق الإيمان وصحته.
ولهذا كان القرآن الكريم يقرن بينهما في مواضع كثيرة، حتى صار هذا الاقتران من أبرز السمات في الخطاب القرآني، قال تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا * خالدين فيها لا يبغون عنها حولا} [الكهف: 107-108]، وقال سبحانه: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} [مريم: 96]. فبالإيمان يصلح الباطن، وبالعمل الصالح يصلح الظاهر، وإذا اجتمعا اكتملت شخصية المسلم، واستقامت حياته، واطمأن قلبه، وسعد في دنياه وأخراه.
وإن من أعظم الخسارة أن يعتني الإنسان بأمور دنياه كلها، ثم يهمل هذا الأصل العظيم الذي خلق من أجله، فإن العمر قصير، والدنيا زائلة، والآخرة هي دار القرار، ولن ينفع العبد يوم القيامة إلا إيمان صادق وعمل صالح مقبول، قال تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 88-89]. والقلب السليم هو القلب المملوء بالإيمان، الظاهر أثره على صاحبه في عبادته وأخلاقه وسلوكه.
 
أيها المسلمون: من تأمل واقع الناس وجد أن أكثر أسباب الشقاء ترجع إلى ضعف الإيمان أو ضعف العمل الصالح، فكم من إنسان ضل لأنه فقد نور الإيمان، وكم من إنسان عرف الحق ولم يعمل به فخسر بسبب تقصيره. ولهذا فإن المؤمن لا يكتفي بأن يعلم، بل يعمل، ولا يكتفي بأن يعتقد، بل يترجم اعتقاده إلى واقع عملي يرضي الله تعالى. وإذا نظرنا إلى سيرة الأنبياء والصالحين وجدنا أنهم جمعوا بين قوة الإيمان وعظيم العمل، فكانوا أكثر الناس عبادة، وأعظمهم صبرا، وأحسنهم أخلاقا، وأصدقهم معاملة للناس، لأن الإيمان إذا استقر في القلب أثمر أعمالا صالحة مباركة. وإن مما ينبغي أن يذكر به المسلم دائما أن الأعمال الصالحة ليست محصورة في الصلاة والصيام فحسب، بل تشمل كل ما يحبه الله تعالى ويرضاه، من بر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران، والصدق في المعاملة، والأمانة في الوظيفة، وإتقان العمل، والإحسان إلى الخلق، ونفع الناس، فكل ذلك من العمل الصالح الذي يقرب إلى الله تعالى، ويزيد الإيمان، ويرفع الدرجات.
 
أيها المؤمنون: وإذا كان الإيمان والعمل الصالح طريق النجاة والسعادة، فإن الواجب علينا أن نحاسب أنفسنا دائما عليهما، وأن نسأل: ماذا ازددنا من الإيمان؟ وماذا قدمنا من العمل الصالح؟ وهل نحن اليوم أقرب إلى الله تعالى مما كنا بالأمس؟ فإن المؤمن الحق يعيش عمره كله في تزكية نفسه، وإصلاح قلبه، وزيادة إيمانه، والإكثار من العمل الصالح، حتى يلقى الله تعالى وهو عنه راض.
 
واعلموا أن أبواب الخير كثيرة، وأن رحمة الله تعالى واسعة، وأن من صدق مع الله تعالى صدق الله معه، ومن أقبل عليه فتح له أبواب الهداية والتوفيق، قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17]. فاجتهدوا في طاعة ربكم، وأكثروا من ذكره، وحافظوا على فرائضه، وسارعوا إلى الخيرات، فإن الدنيا أيام معدودة، وإن العاقل من جعل إيمانه وعمله الصالح زاده إلى لقاء الله تعالى.
 
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة