الضُعفاء في رِحاب السيرة النبوية

0 0

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

إن من أعظم ما يميز ديننا أنه أقام بنيانه على الرحمة والعدل، ولم يغفل شأن الضعفاء، بل جعل لهم مكانة، وجعل نصرتهم والقيام بحقوقهم من أعظم القربات، بل جعلها سببا في نيل رضا الله ونصره.

والضعفاء تطلق غالبا على ذوي الضعف البدني أو المادي، فالمرأة واليتيم، والمريض والكبير، والفقير والمظلوم، والطفل عامة والبنت خاصة، والأرملة والمسكين، وكل من لا يملك قوة تدفع عنه الظلم أو مالا يكفيه صعوبة الحياة من الضعفاء، وهؤلاء الضعفاء ومن شابههم أوصى بهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر بمساعدتهم والقيام بحاجاتهم، والانتصار لهم.

وقد أخبرنا صلوات الله وسلامه عليه أن الأمة التي لا تنتصر للضعفاء ولا تقوم بحقوقهم، هي أمة غير جديرة بنصر الله عز وجل لهم فقال: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟!) رواه البخاري. فإذا كان القوي ينصر الله به المسلمين بشجاعته وقوته في محاربة الأعداء، فإنه تعالى ينصر المسلمين أيضا بدعاء ضعفائهم، وقد أراد صلى الله عليه وسلم بهذا القول الحث على التواضع وألا يحتقر أحد أحدا، وإشارة إلى الاهتمام بشأن الضعفاء من أمته.

ومن عجيب ما روي في ذلك ما حدث به بعض الصحابة الذين هاجروا من مكة إلى الحبشة حين قصوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة امرأة عجوز تعرضت للظلم فقالوا: (بينما نحن جلوس، إذ مرت عجوز من عجائزهم تحمل على رأسها قلة بها ماء، فقام إليها فتى من فتيانهم فدفعها من ظهرها فوقعت على ركبتيها، فانكسرت قلتها، فلما قامت، التفتت إليه وقالت له: سوف تعلم يا غدر (يا ظالم)، إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، كيف يكون أمري وأمرك عنده غدا، فقال صلى الله عليه وسلم: صدقت.. صدقت، كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟!) رواه ابن ماجه.

والسيرة النبوية زاخرة بالمواقف التي تظهر عناية النبي صلى الله عليه وسلم واهتمامه ووصيته بالضعفاء، فتعالوا بنا مع بعض هذه المواقف لنقتدي بهديه ونستنير بسنته.

أيها المسلمون: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالا للرحمة في تعامله مع الناس عامة ومع الضعفاء خاصة، ومن ذلك حاله مع الأرامل والمساكين، فكان يقضي حاجاتهم ويهتم بشؤونهم ويوصي بهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل والصائم النهار) رواه البخاري، والمراد أن الله تعالى يجمع له ثواب الصائم والقائم والمجاهد، وذلك أنه قام للأرملة مقام زوجها الذي مات، وقام على ذلك المسكين الذي عجز عن قيامه بنفسه، وفي ذلك بيان نبوي أن خدمة الأرامل والمساكين عبادة عظيمة، وفي واقعنا اليوم كم من الأرامل والمحتاجين ينتظرون من يقضي حاجاتهم ويواسيهم، فليكن لنا نصيب من هذا الأجر العظيم.

كما أوصى صلى الله عليه وسلم باليتيم والمرأة على وجه الخصوص لزيادة ضعفهما.

والمرأة ـ أما وزوجة وبنتا ـ في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وحياته عرض يصان، ومخلوق له قدره وكرامته، وقد خصها هي واليتيم بالمزيد من الاهتمام، فقال في خطبته الشهيرة في حجة الوداع قبل موته: (استوصوا بالنساء خيرا) رواه مسلم، أي اقبلوا وصيتي فيهن، وارفقوا بهن، وأحسنوا معاملتهن وعشرتهن.

أما اليتيم فكان صلى الله عليه وسلم من أوائل الذين لمسوا ضعفه وآلامه، واهتم به اهتماما كبيرا، من حيث تربيته ورعايته ومعاملته، حتى ينشأ عضوا نافعا، لا يشعر بالنقص عن غيره من أفراد المجتمع، فقال صلى الله عليه وسلم آمرا ومحفزا على رعاية اليتيم ـ نفسيا وتربويا وماديا ـ: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا) رواه البخاري. ولذلك قال بعض السلف: "حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك".

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في أمره بالاهتمام بالمرأة واليتيم في أحاديث كثيرة، ومن ذلك قوله صلى: (اللهم إني أخرج حق الضعيفين: المرأة واليتيم) رواه ابن ماجه، ومعنى ذلك: أضيق على الناس في تضييع حقهما، وأشدد عليهم في ذلك.

ومن صور الاهتمام النبوي بالضعفاء: اهتمامه بالأطفال، فكان صلى الله عليه وسلم معهم أبا رحيما، ومربيا حكيما، يلاعبهم ويداعبهم، ويعطيهم من وقته واهتمامه ما يغرس في قلوبهم الطمأنينة، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم أطال سجوده في الصلاة لأن الحسن أو الحسين ارتحل على ظهره، فلم يشأ أن يعجله حتى يقضي حاجته، وروي أيضا أنه صلى وهو يحمل أمامة بنت ابنته زينب، فإذا قام حملها وإذا سجد وضعها.. وهذا يبين أن الرحمة والرفق بالأطفال خلق وهدي نبوي، وأن التربية بالحب واللين هي منهج نبوي كريم.

وقد أوصى صلوات الله وسلامه عليه بالبنات خاصة فقال: (من ولدت له ابنة فلم يئدها ولم يهنها، ولم يؤثر ولده عليها ـ يعني الذكر ـ أدخله الله بها الجنة) رواه أحمد. وقال صلى الله عليه وسلم: (من كان له ثلاث بنات يؤدبهن ويرحمهن ويكفلهن وجبت له الجنة، قيل يا رسول الله: فإن كانتا اثنتين؟ قال: وإن كانتا اثنتين، قال: فرأى بعض القوم أن لو قال: واحدة، لقال: واحدة) رواه أحمد.
وفي واقعنا اليوم، حيث يكثر الانشغال وتضعف الروابط الأسرية، نحن أحوج ما نكون إلى استحضار هذه الرحمة النبوية في التعامل مع أطفالنا وبناتنا، لننشئ جيلا مطمئنا سويا، ونفوز بالأجر العظيم الذي وعد الله به من أحسن إليهم.

وكان صلى الله عليه وسلم يزور المرضى ويخفف عنهم ويدعو لهم بالشفاء، وقال: (أطعموا الجائع، وعودوا المريض) رواه البخاري، وقال أيضا: (ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، ولا يعوده مساء إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة (أي بستان في الجنة)) رواه أبو داود. وزيارة المريض ليست مجرد عادة اجتماعية طيبة، بل هي سنة نبوية، وعبادة عظيمة وسبب لرحمة الله، فلنحرص على عيادة المرضى ومواساتهم.

وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يقف مع المظلومين ويأخذ لهم حقهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما، كيف أنصره؟ قال: تحجزه - أو تمنعه - من الظلم، فإن ذلك نصر) رواه البخاري. وفي واقعنا اليوم كم من مظلوم ينتظر كلمة حق أو موقف عدل ينصره أو يأتي له بحقه، فلنكن ممن ينصرون المظلوم، لننال رضا الله ونصره.

وهكذا نرى أن السيرة النبوية زاخرة بالمواقف التي تظهر الاهتمام النبوي بالضعفاء، وهي دعوة لنا أن نقتدي بهديه وأخلاقه صلوات الله وسلامه عليه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:

من عظيم ما تميز به نبينا صلى الله عليه وسلم خلق الرحمة والرأفة بالناس، فقد وهبه الله قلبا رحيما يرق للضعيف والمظلوم، ويحن على الفقير والمسكين، ويعطف على الصغير والكبير، حتى صارت الرحمة له طبعا، وصدق الله تعالى إذ قال: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}(الأنبياء:107)، وقال سبحانه: {وإنك لعلى خلق عظيم}(القلم:4)، فكان صلى الله عليه وسلم سهلا لينا، قريبا من الناس، يقضي حاجاتهم، ويجبر خواطرهم.

ومن هذه الأخلاق التي كان صلى الله عليه وسلم عليها ومدحه الله به: اهتمامه بالضعفاء ونصرته لهم والإحسان إليهم، فقد أوصى صلى الله عليه وسلم بالمرأة واليتيم، والأرملة والمسكين، والأطفال عامة والبنات خاصة، والمظلوم وصاحب الحاجة، وأكد أن نصرتهم سبب لنيل رضا الله ونصره، فقال: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟!) رواه البخاري.

وختاما، عباد الله: إن هذه المعاني والمواقف النبوية ليست مجرد قصص تروى أو مواقف تذكر، بل هي وصية عملية يجب أن ننزلها على واقعنا، فكم من ضعفاء في مجتمعاتنا ينتظرون من يقف بجانبهم، وكم من فقراء ومحتاجين يتطلعون إلى من يمد لهم يد العون، وكم من مظلومين يترقبون كلمة حق تنصرهم، فلنكن نحن من يحقق هذه الوصاية النبوية، فننصر الضعيف، ونرعى اليتيم، ونحسن إلى المرأة والطفل، لنسعد في الدنيا والآخرة، ونكون بذلك أمة يرضى الله عنها ويؤيدها بنصره.

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة