مواقف يوم القيامة: تَذْكِرَة وعِبْرة

0 0

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

إن هذه الحياة الدنيا مهما تزينت وطالت فهي قصيرة وإلى زوال، وما هي إلا محطة عابرة، ثم يقف الإنسان بعدها في يوم عظيم، تعرض فيه الأعمال، وتوزن فيه الأقوال والأفعال، وتتطاير فيه الصحف، ويأخذ قوم كتابهم بأيمانهم فيسعدون سعادة لا شقاء بعدها، ويأخذ آخرون كتابهم بشمالهم فيشقون شقاء لا راحة بعده، وهناك في يوم القيامة، يوم الطامة، والقارعة، والصاخة، والحسرة والندامة، تنكشف الحقائق ويدرك كل إنسان حقيقة ما قدمت يداه، ذلك اليوم الذي قال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد}(الحج:2:1)، وقال سبحانه: {فإذا جاءت الصاخة * يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه}(عبس:37:33)..

وفي ذلك اليوم والموقف العظيم يرى المؤمنون الجنة بما فيها من النعيم المقيم، دار الخلود التي أعدها الله لعباده المتقين، فيها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وفيها من النعيم ما تعجز العقول عن تصوره، ولا مرض فيها ولا موت، ولا تعب ولا نصب، ولا هم ولا حزن، قال تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا}(الرعد:35)، إنها الجنة التي أدنى أهلها منزلة كما أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من يعطى من النعيم ما يفوق ملك أعظم ملوك الدنيا عشر مرات، فما بالكم بأهل الفردوس الأعلى؟!!

وإذا كانت الجنة دار النعيم، فإن النار ـ نعوذ بالله منها ـ دار العذاب، مثوى الكافرين والمنافقين والفجار، نار قال الله تعالى عنها: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة}(التحريم:6)..
وأما عصاة المسلمين، فإن لم يغفر الله لهم بفضله، دخلوا النار يعذبون فيها على قدر أعمالهم، ثم يخرجون منها برحمة الله وفضله، ومع ذلك فلا ينبغي لمسلم أن يستهين بعذابها، فإن أقل أهل النار عذابا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: من له نعلان من نار يغلي منهما دماغه، وهو يظن أنه أشد الناس عذابا وهو أهونهم، فكيف بمن فوقه؟!
وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الموت يجاء به يوم القيامة: (كأنه كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت قال: ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون}(مريم: 39)) رواه مسلم.
وهكذا يقف الإنسان في النهاية بين مصيرين لا ثالث لهما: إما نعيم في الجنة، وإما عذاب في النار، والاختيار يبدأ من هنا، من هذه الدنيا، حيث تزرع البذور وتحصد الثمار، فمن زرع الطاعات والعبادات والخيرات حصد الجنة، ومن زرع المعاصي والسيئات جنى النار، فالجزاء من جنس العمل، وإن حياتنا المحدودة التي نعيشها الآن هي لحظة فاصلة، تضع كل واحد منا أمام مسؤوليته الأهم: أي طريق يسلك؟ طريق الجنة أم طريق النار؟

فهيا بنا ـ عباد الله ـ، نقف مع بعض المواقف الأخروية، نوقظ بها القلوب، ونوجه بها النفوس إلى علام الغيوب، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم، ولا تقبل فيه الأعذار..

من هذه المواقف: الموت وسكراته، والقبر وظلماته..
فالموت هو الحقيقة الكبرى التي لا مفر منها، واليقين الذي لا شك فيه، وهو الباب الذي يدخل منه كل حي، صغيرا كان أو كبيرا، غنيا أو فقيرا، قال تعالى: {كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}(الرحمن:27:26)، وقال سبحانه: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}(ق:19).
فتذكروا ـ عباد الله ـ أن الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأن القبر أول منازل الآخرة، وهو إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، ولا تنسوا أنكم ستحملون على الأكتاف، وتوارون في التراب، وتتركون وحيدين إلا من عمل صالح يرافقكم، فالدنيا عمل ولا حساب، والآخرة حساب ولا عمل، والفوز والنجاة لمن أعد العدة والزاد قبل الرحيل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجدا، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله) رواه الترمذي، فما أتى على الصحابة رضوان الله عليهم يوم أشد من هذا اليوم الذي ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، إذ طأطأوا رؤوسهم، وسالت أعينهم بالدموع، حتى قال أبو ذر رضي الله عنه: "لوددت أني كنت شجرة تعضد"، أي تقطع وتستأصل، تعبيرا عن  شدة خوفه من الله، ومن شدة خوفه من الحساب يوم القيامة..

ومن هذه المواقف: المرور على الصراط، ذلك الجسر المضروب على متن جهنم، أدق من الشعرة وأحد من السيف، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من تخطفه كلاليب جهنم إلى الهاوية.

وهناك يأمر الله سبحانه أن تتبع كل أمة ما كانت تعبده، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، ويساق أهل الضلال إلى النار، وتبقى هذه الأمة وفيها المنافقون، فينصب لهم الصراط على ظهر جهنم، وعلى حافتيه خطاطيف وكلاليب، فيشتد الموقف وتعظم البلوى، ويكون دعاء الرسل يومئذ: (اللهم سلم سلم) رواه البخاري.

فتأمل ـ يا عبد الله ـ حالك إذا وضعت قدمك على ذلك الصراط الحاد، والخلائق من حولك يزلون ويعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف، فكيف يكون الموقف؟ هناك يظهر أثر الإيمان والاستقامة في الدنيا، فلا يثبت إلا من ثبته الله، والثبات على الصراط يوم القيامة إنما هو ثمرة الثبات على عبادة الله وطاعته في الدنيا، فمن استقام هنا استقام هناك، ومن زلت قدمه هنا زلت هناك..

وبعد الحديث عن تلك المواقف المهيبة: الموت والقبر وما فيه، والصراط وما بعده، ننتقل إلى موقف آخر عظيم يبعث على الخوف والاعتبار، وهو نشر الصحف وشهادة أعضاء الإنسان عليه..
في يوم القيامة يوضع لكل إنسان كتابه، ويعرض عليه ديوان أعماله، صغيرها وكبيرها، وتشهد عليه جوارح وأعضاؤه، ويلاقى حسابه، قال تعالى: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا}(الكهف:49). وقال سبحانه: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون}(يس:65).
فاتقوا الله ـ يا عباد الله ـ من ذلك اليوم العظيم والهول الجسيم، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم"..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:

احذروا من الاغترار بزينة الدنيا، أو الانخداع بوعود الشيطان، وتذكروا النهاية الحتمية لكل حي، وسكرات الموت التي لا مفر منها، ثم القبر وما فيه من نعيم أو عذاب، كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه، فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه، فما بعده أشد منه) رواه الترمذي.

واستحضروا في قلوبكم الصراط المنصوب على متن جهنم، أدق من الشعر وأحد من السيف، والناس يمرون عليه على قدر أعمالهم، وكلام الرسل عليهم الصلاة والسلام حينئذ: (اللهم سلم سلم)..
وضعوا نصب أعينكم كذلك ما في الجنة من نعيم، وما في جهنم من عذاب، وصرخات أهل النار واستغاثاتهم، وهم ينادون خازن النار: {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون}(الزخرف:77).

وإذا كانت أجسادنا الضعيفة لا تقوى على حرارة شمس الصيف، ولا تحتمل لسعة نار صغيرة، فكيف لها أن تطيق نار جهنم؟! فبادروا بالتوبة النصوح قبل الفوات، وحافظوا على الصلاة فإنها عمود الدين، وهي أول ما تحاسبون عليه، واحذروا من الظلم وأدوا حقوق العباد، وأكثروا من ذكر الله فهو حياة القلوب، وأحسنوا صحبة القرآن فإنه شفيع لأهله يوم القيامة، وكونوا دائما مستعدين ليوم قال الله تعالى عنه: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}(البقرة:281)..

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}(الأحزاب:56)..
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة