من صور من الندم يوم القيامة

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله الملك الحق المبين، الذي خلق الخلق ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وجعل الآخرة دار الجزاء والحساب، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنجي قائلها يوم يقوم الناس لرب العالمين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي بلغ الرسالة، ونصح الأمة، وحذر من يوم الحسرة والندامة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران:102]، {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
 
عباد الله: إن من أعظم المشاهد التي ينبغي أن تستقر في قلوب المؤمنين، وأن لا تغيب عن أذهانهم في مسيرهم إلى الله: مشهد الندم يوم القيامة، ذلك المشهد الذي تتقاصر دونه العبارات، وتقف عنده العقول مبهوتة، يوم تنكشف فيه السرائر، وتظهر فيه الحقائق، وتطوى فيه صحائف الغفلة، ويقف فيه العبد مجردا من كل ما كان يتكئ عليه في الدنيا، لا مال ينفعه، ولا جاه يشفع له، ولا قرابة تغنيه من الله شيئا، كما قال تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 88-89]. وإنه يوم يقف فيه الناس حفاة عراة غرلا، كما خلقهم الله أول مرة، لا يملكون لأنفسهم سترا ولا دفعا، ولا يجدون مهربا من الوقوف بين يدي الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا) رواه البخاري، ويطول الموقف، وتدنو الشمس من الرؤوس، ويشتد الكرب، ويغمر الناس العرق على قدر أعمالهم، في تلك اللحظات العصيبة، لا يفكر الإنسان إلا في نفسه، ولا يشغله إلا مصيره، وتعرض عليه أعماله عرضا دقيقا، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، قال تعالى: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه} [الكهف: 49].
 
أيها المسلمون: حينها يبدأ الندم الحقيقي، الندم الذي لا يشبه ندم الدنيا، لأنه ندم بعد فوات الفرصة، وبعد إغلاق باب التوبة، وبعد انقطاع العمل، قال تعالى: {يوم يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا} [النبأ: 40]، ويتمنى العبد لو عاد إلى الدنيا ولو لحظة واحدة ليصلح ما أفسد، ويستدرك ما ضيع، ويعوض ما فاته، ولكن هيهات، فقد انتهى زمن العمل، وبقي الحساب والجزاء. وإن الندم يوم القيامة ليس مجرد شعور عابر، بل هو حسرة عميقة تملأ القلب وتعتصره، حسرة على كل صلاة ضيعت، وعلى كل لحظة مرت في غفلة، وعلى كل معصية ارتكبت، وعلى كل فرصة ضاعت، وعلى كل خير كان في متناول اليد فلم يفعل، حسرة على أيام كانت يمكن أن تملأ بالطاعة فملئت باللهو، وعلى عمر كان يمكن أن يكون طريقا إلى الجنة فصار سببا في الخسارة. وإن أعظم ما يورث هذا الندم: الغفلة عن الآخرة، والانشغال بالدنيا، والركون إلى زخارفها، حتى يظن الإنسان أن الحياة طويلة، وأن الفرص كثيرة، فيؤجل التوبة، ويسوف العمل، حتى يفجأه الموت، فينقطع الأمل، ويبدأ الحساب، قال تعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون} [المؤمنون: 99]. فحينها يتمنى الرجوع، ولكن لا رجعة. وإن استحضار هذا المشهد العظيم، وتأمله بصدق، كفيل بأن يوقظ القلوب، ويهز النفوس، ويقطع حبال الغفلة، ويدفع الإنسان إلى مراجعة نفسه، وتصحيح مساره، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم، ولا تقبل فيه الأعذار، ولا يمهل فيه أحد، وإنما يجزى كل إنسان بما قدمت يداه، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 7-8].
 
أيها المسلمون: ومن صور الندم العظيمة يوم القيامة: ندم المفرط في الطاعات، الذي ضيع عمره في اللهو والغفلة، فلم يصل كما ينبغي، ولم يذكر الله كما ينبغي، ولم يتقرب إليه بالطاعات، فإذا رأى ثواب الطائعين، ندم أشد الندم، قال تعالى: {يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 56]، وهذه حسرة عظيمة، أن يرى الإنسان ما ضيع من فرص، وما أهمل من عبادات، وما ترك من أعمال صالحة كان يستطيع أن يفعلها. ومن صور الندم كذلك: ندم صاحب المال الذي لم ينفقه في طاعة الله، بل أنفقه في الشهوات أو كنزه ولم يؤد حقه، فإذا رأى الأجر العظيم للمنفقين، ندم، قال تعالى: {وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت} [المنافقون: 10]، ثم قال: {فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين} يتمنى لو أمهل ليتصدق ويعمل صالحا.
 
أيها المؤمنون: ومن صور الندم كذلك: ندم العاصي على معصيته، حين يرى أثر ذنوبه، ويحاسب عليها، فيتمنى لو أنه لم يعص الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال النبي صلى الله عليه وسلم (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط) رواه مسلم. فينسى كل نعيمه، ويتمنى لو لم يكن عاش ذلك النعيم الذي ألهته شهواته عن طاعة الله. وهذه الصور كلها تدل على حقيقة واحدة: أن الدنيا دار عمل، وأن الآخرة دار جزاء، فمن فرط هنا ندم هناك، ومن جد هنا فرح هناك.
 
عباد الله: من أعظم صور الندم يوم القيامة: ندم من ضل وأضل غيره، كالداعين إلى الباطل، أو المروجين للفساد، أو الذين يزينون المعصية للناس، فإنهم لا يندمون على أنفسهم فقط، بل على من أضلوهم، قال تعالى:  {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون} [النحل: 25]، ويقول الأتباع: {ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار} [الأعراف: 38]، فيتلاعنون ويتبرأ بعضهم من بعض، وهذه من أشد صور الندم. ومن صور الندم كذلك: ندم من لم يستفد من عمره، ومن شبابه، ومن صحته، ومن وقته، فيرى كيف ضاعت أيامه، وكيف انقضت سنواته دون عمل صالح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه) رواه الترمذي. ومنها عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، فيندم على كل لحظة ضاعت دون طاعة. وإن علاج هذا الندم يكون في الدنيا، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم، وذلك بالتوبة الصادقة، والعمل الصالح، واستغلال الوقت، ومحاسبة النفس، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد} [الحشر: 18]. فاجعلوا هذه الصور نصب أعينكم، حتى تدفعكم إلى الطاعة، وتبعدكم عن المعصية، وتجعلكم من أهل الاستعداد لذلك اليوم العظيم.
 
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: عباد الله: 
صور الندم يوم القيامة ليست مشاهد بعيدة، بل هي حقائق تنتظر من فرط وأعرض، فالكافر يندم على كفره، والظالم يندم على ظلمه، والمفرط يندم على تفريطه، والعاصي يندم على معصيته، ومن أضل غيره يندم على إضلاله، وكل ذلك لأنهم لم يستعدوا لذلك اليوم، ولم يغتنموا الفرصة التي كانت بأيديهم في الدنيا. وإن الذي ينجو من هذا الندم هو من استيقظ قلبه قبل فوات الأوان، فبادر بالتوبة، وأقبل على الطاعة، وترك المعصية، وحرص على اغتنام عمره فيما ينفعه، وجعل الآخرة نصب عينيه، فلم تغره الدنيا بزخارفها، ولم تشغله عن ربه.
 
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة